الرئيسية / غير مصنف / النخب الاقتصادية وتحولات الربيع العربي
محمد احمد بنيس

النخب الاقتصادية وتحولات الربيع العربي

تبدو النخب الاقتصادية العربية، اليوم، أمام أسئلة وقضايا مفصلية، تصدر عن التحولات العميقة التي تعرفها بلدانها، خصوصاً بعد اندلاع شرارة الربيع العربي، قبل أربع سنوات، وسقوط جدار الخوف الذي كان يمنع الشعوب من النزول إلى الشارع، للاحتجاج على تدهور الأوضاع. وقد ارتبط ظهور هذه النخب وتشكلها، منذ عقود، بالسلطة الحاكمة، ضمن تحالفات اجتماعية وسياسية مسنودة باقتصاد ريعي، غير منتج ومفتقد تصوراً تنموياً متكاملاً، يأخذ في الاعتبار مصالح مختلف فئات المجتمع وتطلعاتها.
في ضوء ذلك، ساهم قرب هذه النخب المتنفذة من دوائر صنع القرار السياسي، عبر آليات المصاهرات وتبادل المنافع وإنتاج النفوذ السياسي، في اتساع دائرة الفساد، وتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ما شكل عاملاً حاسماً في اندلاع موجة من الانتفاضات التي عمت معظم البلدان العربية مع مطلع سنة 2011. وقد وجدت هذه النخب نفسها عاجزة عن قراءة ما حدث، والتنبؤ بمنعرجاته وتحولاته، بحكم اعتمادها الكامل على أجهزة السلطة الأمنية والسياسية، لحماية مصالحها، وافتقادها مشروعاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً واضحاً، يربط بين التحول الديمقراطي والتحرر الاقتصادي. فقد كان وجودها السياسي يرتبط، دائماً، بالاقتصاد الريعي والامتيازات الضريبية الواسعة، والاستفادة من مؤسسات القطاع العام، عبر صفقات تفوح منها رائحة الفساد واستغلال النفوذ.
وعلى الرغم من أن الربيع العربي أربك حساباتها، إلا أنه، في المجمل، لم يستطع تنحيتها من معادلة الصراع، أو دفعها، على الأقل، إلى التحالف مع الطبقات الاجتماعية الأخرى، خصوصاً الوسطى، نظراً لمحافظتها السياسية الواضحة. كما أن التحولات التي عرفها هذا الربيع، في السنتين الأخيرتين، وعدم قدرة القوى المتصارعة على صياغة تعاقدات اجتماعية جديدة، أتاح الفرصةَ لها لإعادة رص صفوفها، في أفق عودتها إلى معترك الحياة السياسية. فخبرتها بالعمل من داخل أجهزة السلطة، ومعرفتها بالثقافة التي تحكم السلوك السياسي والانتخابي وتوجهه في المجتمعات العربية، ذلك كله مكّنها من العودة تدريجيا إلى واجهة الأحداث، باستراتيجيات مغايرة.
وانطلاقا من مختلف السياقات المنتجة للعلاقة بين مختلف النخب الاقتصادية والسياسية والعسكرية في بلدان الربيع العربي، يمكن رصد معطيات قد تساعد على استشراف ما يمكن أن تكون عليه معادلات الصراع السياسي والاجتماعي، في هذه البلدان، في مقبل الأيام. وإذا كانت الحالتان السورية والليبية من التعقيد، بحيث يصعب التكهن بمآل الأوضاع، خصوصاً في سورية، فإن الوضع بالنسبة لمصر وتونس يبدو مختلفا إلى حد كبير.
في مصر، شكل رجال الأعمال القاعدة الاجتماعية الأساسية لنظام حسني مبارك طوال سنوات حكمه. فبواسطة بعض المؤسسات، مثل لجنة السياسات في الحزب الوطني ومجلس الشعب، استطاعوا التحكم في القرار الاقتصادي، بتوجيهه لمصالحهم الكبرى، بشكل ساهم في تعميق الأزمة الاقتصادية، وتردي الحالة المعيشية لمعظم المصريين. وقد أدت قرارات كان وراءها هؤلاء، مثل العمل على توريث الحكم لنجل مبارك ونتائج الانتخابات البرلمانية لسنة 2010، إلى زيادة منسوب الاحتقان الاجتماعي، وانسداد أفق المشاركة السياسية، ولو الشكلية، أمام تشكيلات وقوى سياسية عديدة، خصوصاً الإسلامية. إضافة إلى ذلك، يسيطر الجيش في مصر، كنخبة اقتصادية موازية، على نسبة كبيرة من الاقتصاد المصري. ولذلك، لم يكن العامل الاقتصادي غائبا عن التسوية التي بموجبها تنحى مبارك، وتولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة السلطة في 11 فبراير/شباط 2011. كما أن هذا العامل كان أحد الأسباب التي تقف خلف انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013، وعودة الجيش إلى الساحة السياسية، أمام إحساسه بأن امتيازاته الاقتصادية باتت مهددة في ظل حكم الإخوان.
في السياق نفسه، يمكن القول إن عودة العسكر إلى الإمساك بالحكم قد يدفع في اتجاه إعادة بناء علاقة السلطة مع رجال الأعمال، بشكل لا يعيد إنتاج صيغة هذه العلاقة، كما كانت إبان حكم مبارك، بالنظر لكلفتها السياسية، وتأثيرها على استقرار البلد، لكنه يسمح للنظام باستغلال الإمكانات الإعلامية والمالية وشبكة النفوذ الاجتماعي التي يتحكم فيها هؤلاء، وتسخيرها في أفق إعادة رسم معالم المشهد السياسي المصري، برمته. وذلك كله في مقابل أن تسمح السلطة لهم، أو لبعضهم على الأقل، بالعودة إلى الحياة السياسية عبر قنوات مختلفة.
يكاد الأمر يختلف بالكامل، بالنظر إلى خصوصية التجربة التونسية في التعاطي مع تحولات الربيع العربي، وقدرة نخبها على إدارة الصراع الاجتماعي والسياسي بشكل أكثر نضجاً. فالنخب الاقتصادية التي كانت مرتبطة بنظام بن علي، وجدت نفسها أمام مشهد لم تكن تتوقعه، تجلى، بالأساس، في انهيار النظام الذي شكل لها الحاضنة السياسية والاجتماعية، وتردي الأوضاع الاقتصادية وبروز الإسلاميين قوة سياسية وازنة. وقد دفعها هذا كله إلى إعادة هيكلة صفوفها، وإعادة تحديد خياراتها، من خلال الاصطفاف داخل حركة “نداء تونس”، والتي بدت بالنسبة لها الإطار السياسي الأنسب للدفاع عن مصالحها. ويبدو أن فوز الباجي قائد السبسي، المحسوب، بشكل أو بآخر، على نظام بن علي، في الانتخابات الرئاسية، والدعم غير المباشر الذي تلقاه من الجبهة الشعبية، وتكليف الحبيب الصيد بتشكيل الحكومة الجديدة، كلها مؤشرات قد تبدو مطمئنة للنخب الاقتصادية التي تبحث عن دور لها في الترتيبات المقبلة للبيت التونسي، غير أن هذا الدور يظل مرتبطاً بشكل كبير، بطبيعة اصطفافات المرحلة المقبلة في تونس، وطبيعة التسويات التي سينجزها الفاعلون السياسيون. بمعنى آخر: هل يصبح وصول حركة نداء تونس إلى السلطة بمثابة تسوية بين النظام القديم والنخب الأخرى، ممثلة في اليسار والإسلاميين، في أفق تعزيز الديمقراطية التونسية الوليدة، وهو ما قد يدفع النخب الاقتصادية إلى دعم هذا التوجه، أم أن الأمور تتجه إلى إعادة إنتاج النظام السابق، بمختلف مكوناته السياسية والاقتصادية؟
تنبئنا تجارب التحول الديمقراطي بأن دور النخب الاقتصادية، في أحيان كثيرة، يكون حاسما في تعزيز هذا التحول، والدفع به، بربطه بمشروع وطني متعدد الأبعاد، يتفاعل فيه الاقتصاد والسياسة، بشكل يحقق نسبيا السلم الاجتماعي. وفي ضوء ذلك، قد يكون الربيع العربي، وعلى الرغم من بعض تحولاته الدرامية، بالنسبة لهذه النخب فرصة لإعادة النظر في الصراع الاجتماعي والسياسي في بلدانها.

* شاعر وكاتب مغربي /”العربي الجديد”