الرئيسية / رمضان كريم / عبد الحميد بن باديس إمام مُصلح
907fc55f05f0809da6943756073cdaa7

عبد الحميد بن باديس إمام مُصلح

منذ العام 1830م وقعت الجزائر تحت نير الاحتلال الفرنسي الغاشم، وهي بهذا الاحتلال تُعد إحدى أقدم البلدان احتلالا إذا علمنا أنه انجلى عنها بعد 132 عامًا متصلة، ذاق الجزائريون فيها صنوف العذاب والهوان.
كانت الجزائر إبان الاحتلال الفرنسي تنعم بالهدوء والحرية، وتستمع بالعلم والثقافة حتى إن الرحالة الألماني فيلهلم شيمبرا حين زار الجزائر في شهر ديسمبر 1831م، قال: “لقد بحثتُ قصدًا عن عربي واحد في الجزائر يجهل القراءة والكتابة، غير أني لم أعثر عليه، في حين أني وجدت ذلك في بلدان جنوب أوروبا، فقلما يصادف المرء هناك من يستطيع القراءة من بين أفراد الشعب”!
على أنه سرعان ما قضى الفرنسيون على دعائم هذه النهضة والوعي بالسيطرة على الأوقاف، وهدم بعض المساجد الجامعة الكبرى، حتى استحال العلم إلى جهل، ولم تبلغ الجزائر أعتاب القرن العشرين وقد سيطرت الفرنسة عليها، وكادت العربية أن تمحى!

حياة ابن باديس
في ظل ذلك الواقع البئيس وفي ديسمبر من العام 1889م ولد عبد الحميد بن محمد بن مكي بن باديس في مدينة قسنطينة شرقي الجزائر، وتعود جذوره إلى القبيلة الأمازيغية الأشهر بني صنهاجة، وأسرة قُدّر لها أن تحكم في المغرب الأوسط في القرن الرابع والخامس الهجريين في بعض مناطقه لدى انفصالها عن دولة الفاطميين.
ولد ابن باديس في أسرة كان لها باع في العلوم والوظائف الدينية طيلة القرن التاسع عشر، وقد حرص أبوه على تحفيظه للقرآن الكريم، والإنفاق عليه في رحلات علمه، وكان أشهر من ترك أثرًا فيه شيخه حمدان لونيسي.
تنقل ابن باديس في طلبه للعلم فلم يستقر في الجزائر فقط، إذ رحل إلى الزيتونة في تونس في العام 1908م، وقد كان بدأ في تنفيض غبار الإهمال والنمطية عن طرائق تدريسه، فالتقى بالشيخ العلامة محمد الطاهر بن عاشور الذي أثَّر فيه أشد التأثير، وقد تخرج من الزيتونة في العام 1912م وزار مصر والشام ثم حج واستقر المقام به في المدينة المنورة، وهو في كل بلد من هذه البلدان يلتقي بأعلامها، ويستفيد منهم، فلم يلبث العام 1913م إلا وعاد الشاب اليافع إلى بلده قسنطينة محملاً ومتأثرًا بروح محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وتلاميذهم ممن التقاهم كابن عاشور وبخيت المُطيعي وغيرهم..
عاد ابن باديس إلى الجزائر التي أنهكها الفرنسيون ثقافيا وعسكريا، وعلم أن الرجوع إلى محاضن التربية المفتقدة ونشرها بين الصبية والفتية هو الأمر الواجب في ذلك الوقت، لمقاومة الجهل والأمية ثم لمقاومة الخرافات والبدع التي كانت قد انتشرت بفعل انحراف الطرق الصوفية، فشرع في نشر الكتاتيب والمدارس في كل مكان يستطيع أن يصل إليه.
وقام بجوار ذلك بإنشاء أول جرائده وأسماها “المنتقد” وللاسم دلالته، بالاشتراك مع صنوه ورفيق دربه العلامة محمد البشير الإبراهيمي أحد أكابر مصلحي الجزائر، أنشأها لمقاومة الجهل والتخلف والبدع دون التعرض للأشخاص، ولا شك أن اتجاه ابن باديس لإنشاء هذه المجلة كان بتأثير من دور مجلة المنار المصرية التي كان المشرف والقائم عليها الشيخ محمد رشيد رضا.
لكن سُرعان ما صادرت السلطان الفرنسية مجلة “المنتقد”، لكن ابن باديس ورفاقه لم يتوانوا عن إنشاء أخرى وظهرت مجلة “الشهاب” التي كان لها صولات وجولات في فنون التفسير والحديث والتربية والتقويم والشأن السياسي والاجتماعي، ولم تتوقف المجلة إلا بضغط فرنسي إبان الحرب العالمية الثانية في سبتمبر سنة 1939م.
أسس ابن باديس مع رفاقه من علماء الجزائر جمعية “العلماء المسلمين الجزائريين” في مايو من العام 1932م، وكان هدف هذه الجمعية لم شمل علماء الجزائر وتوحيد صفوفهم لمقاومة الأدواء الأخلاقية والتربوية والسياسية التي تعانيها الجزائر، فانتُخب ابن باديس رئيسًا لهذه الجمعية وكان نائبه أيضًا صنوه الشيخ الجليل محمد البشير الإبراهيمي، وانبثق عن جمعية العلماء مجموعة من الآثار منها إنشاء العشرات من المدارس والكتاتيب في طول الجزائر وعرضها، كما انبثقت عن الجمعية عدد من المجلات المتتابعة لنشر الوعي ومقاومة الجهل والخرافات؛ مثل: السنة و الشريعة والصراط ثم البصائر وكانت كل هذه الجرائد توقف بأمر سلطات الاحتلال الفرنسي.
يقول د عمار طالبي محقق وجامع آثار ابن باديس: “تتبين لنا حقيقة من الضروري أن نصرح بها وهي أن الشيخ عبد الحميد بن باديس يجمع بين النهضة الثقافية الاجتماعية وبين النهضة السياسية، بين التربية الإسلامية وبين الصحافة، ومما يؤكد لنا هذه الحقيقة أنه صرح في محاضرة ألقاها في تونس في ذكرى البشير صفر (أحد أعلام الزيتونة) فقال: لا بدَّ لنا من الجمع بين السياسة والعلم، ولا ينهض العلم والدين حق النهوض إلا إذا نهضت السياسة بحق”.
لم يكن ابن باديس منعزلاً عن واقعه السياسي، ومآسي الإجرام الفرنسي العسكري والثقافي على بلاده، وأراد مرارًا أن يُعلن قيام ثورة كبرى على فرنسا خصوصا أثناء ضعفها في الحرب العالمية الثانية[5]، لولا أنه مرض مرضًا شديدًا توفي على إثره في سنة 1940م وهو في الحادية والخمسين من عُمره.

آثار ابن باديس
انشغل الشيخ ابن باديس بالجانب العملي من إنشاء للمدارس والكتاتيب، والكتابة في الصحف والجرائد، ومقاومة الاحتلال الفرنسي من خلال جمعية العلماء المسلمين، كل هذا المجهود الكبير كان له أثر في قلة إنتاجه العلمي والتأليفي، على أن أشهر مؤلفات ابن باديس هي: “تفسير ابن باديس” و “مجالس التذكير من حديث البشير النذير” و “العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية”..
وقد جمع وحقق المفكر الجزائري الدكتور عمار طيبي معظم إنتاج ابن باديس ونشره في عدة مجلدات بعنوان “آثار ابن باديس” صدرت سنة 1968م في الجزائر، ثم نشرتها دار الغرب الإسلامي بتونس في طبعة أنيقة بتقديم المثقف والمفكر الكبير مالك بن نبي.
نتناول من هذه الآثار رأي ابن باديس في قضية التعليم إذ يقول: “لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم فإنّما العلماء من الأمّة بمثابة القلب إذا صلح صلح الجسد كلّه وإذا فسد فسد الجسد كلّه، وصلاح المسلمين إنّما هو بفقههم الإسلام وعملهم به، وإنّما يصل إليهم هذا على يد علمائهم، فإذا كان علماؤهم أهل جمود في العلم وابتداع في العمل فكذلك المسلمون يكونون. فإذا أردنا إصلاح المسلمين فلنصلح علماءهم. ولن يصلح العلماء إلاّ إذا صلح تعليمهم. فالتعليم هو الذي يطبع المتعلم بالطابع الذي يكون عليه في مستقبل حياته وما يستقبل من علمه لنفسه وغيره فإذا أردنا أن نصلح العلماء فلنصلح التعليم ونعني بالتعليم؛ التعليم الذي يكون به المسلم عالماً من علماء الإسلام يأخذ عنه الناس دينهم ويقتدون به فيه.ولن يصلح هذا التعليم إلاّ إذا رجعنا به للتعليم النبوي في شكله وموضوعه في مادته وصورته فيما كان يعلم – صلى الله عليه وآله وسلم- وفي صورة تعليمه، فقد صح عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- فيما رواه مسلم أنّه قال: إنّما بُعثتُ معلمًا. فماذا كان يُعلِّم وكيف كان يعلم”.
وبهذه الكلمات السريعة نختم حديثنا عن مصلح كبير من مصلحي الجزائر، ورجل غيور عاش مكبا على التربية ومناهضة الاحتلال بقدر ما أوتي من وسيلة وسبيل وطاقة، فرحمه الله وغفر له.