الرئيسية / سلايد شو / يوم تدخل الراحل أحمد الزايدي بخيط أبيض لحل نزاع مهني..
الزايدي في السعودية

يوم تدخل الراحل أحمد الزايدي بخيط أبيض لحل نزاع مهني..

يرحل الرجال الكبار، من ذوي القامات الطويلة في الفعل الإنساني، في بعده الشمولي، وتبقى ذكراهم العطرة شاهدة على أن مرورهم في هذه الحياة لم يكن عبثا، بل كان مقرونا بالعطاء.
وهذا الأمر ينطبق تماما على الراحل احمد الزايدي، الذي وافاه الأجل المحتوم، أمس الأحد، في حادث مؤلم، خلف حسرة عميقة في نفوس كل الذين يعرفونه، سواء من قريب أو بعيد.
وربما، لأول مرة في مسارها الإعلامي، تتعامل القناة الثانية ” الدوزيم” باحترافية مع هذا الحدث الحزين والصادم في يوم غائم، فقد افتتحت بالخبر الأليم نشرتها الرئيسية ليلة أمس، وقدمت روبورتاجا مفصلا من عين المكان، معززا بشهادات على ألسنة رفاقه في الحزب، وعلى رأسهم إدريس لشكر، الكاتب الأول للحزب.
ورغم انغماسه في العمل السياسي ، فقد ظل الزايدي يعتبر نفسه دائما أنه صحافي، عاشق لبلاط صاحبة الجلالة، الصحافة. كان هذا هو حبه الكبير، الذي لازمه طول حياته، رغم ابتعاده عن الممارسة الإعلامية، في السنين الأخيرة، بفعل إكراهات السياسة وتبدلاتها، وهو الذي كان نجما يرصع بضوئه شاشة التلفزيون المغربي، كل ليلة، على امتداد أكثر من 20 سنة من الحضور البهي والمشع، كرئيس تحرير مركزي ومقدم للنشرة الإخبارية الرئيسية.

الزايدي في السيارة

وهذا الحرص على الانتماء لمهنة البحث عن المتاعب، هو الذي جعله يتمسك برئاسة نادي الصحافة، منذ تأسيسه، وقد كان هو صاحب فكرة إنشائه، ومن خلاله كان يتواصل مع رفاق الدرب القدامى، بعد أن جعل منه فضاء للتلاقي، وتبادل الأفكار في إطار من الحرية والمكاشفة.
شخصيا، كأي صحفي، التقيت الزايدي في مناسبات مختلفة، ذات ارتباط وثيق بالمهنة، فلمست فيه ذلك الإنسان المتشبع بالمباديء والأخلاق والمثل العليا.
ولم يسجل عنه يوما ما، أنه ناصب العداء لصحافي ما، وذلك لنبله ولطفه، وحسن تعامله، وتشبعه بالخلق الكريم.
كانت ابتسامته دائما تسبق يده الممدودة، بكل محبة، للسلام .
وكان من رأيه، أن الحوار هو افضل آلية للتفاهم وحل المشاكل، مهما كانت معقدة. وبالفعل فقد كان رجل حوار بامتياز، وداعية من دعاة الجلوس إلى الطاولة، سعيا إلى التوافق المنشود.
في سنة 2002، توقفت يومية ” الميثاق الوطني”، الناطقة بلسان حزب التجمع الوطني للأحرار، عن الصدور، بدعوى الإفلاس.
نزل الخبر المفاجيء كالصاعقة على قسم التحرير. ومما زاد الوضع تعقيدا، أن المستحقات المادية الممنوحة للصحافيين، لم تكن وفق ما ينص عليه القانون..البعض تسلمها مكرها، تحت ضغط الظروف، للانصراف نحو البحث عن أفاق مهنية أخرى أكثر استقرارا، والبعض الأخر رفضها، لأنه رأى فيها إجحافا في حقه بعد أكثر من عشرين سنة من الاشتغال ، وكان محبر هذه السطور ضمن الفئة الأخيرة، إلى جانب زملاء آخرين، هم الناقد السينمائي أحمد بوغابة، والمحرر بالقسم الثقافي الطاهر الطويل، والشاعر والإعلامي محمد بلمو.
تم رفع القضية إلى القضاء، بحثا عن الإنصاف، عن طريق الناشط الحقوقي والمحامي المعروف عبد الرحمان بنعمرو، ضد أحمد عصمان، باعتباره الرئيس المؤسس لحزب التجمع الوطني، وهو الذي يتحمل المسؤولية أولا وأخيرا، لكون الصحيفة ناطقة بلسان حزبه.
وجرى عقد ندوة صحافية بمقر النقابة الوطنية للصحافة المغربية، أثيرت فيها عدة قضايا ترتبط بسير المؤسسة، التي أعلنت إفلاسها، أعقبها اعتصام وإضراب عن الطعام، شارك فيه بوغابة وبلمو وعبد ربه،كان محل تعاطف الأسرة الإعلامية والمهنية والحقوقية.
وفي خضم هذا التحرك، تدخل أحمد الزايدي، انطلاقا من موقعه كرئيس لنادي الصحافة، بخيط أبيض، إن جاز التعبير، تجاوبا مع اتصال أجراه معه الزميل بوغابة في إطار سلسلة من اللقاءات مع بعض البرلمانيين.
أذكر أنه التقى بنا، في أحد فنادق العاصمة، ذات صباح، بناء على موعد مسبق معه، وكرس جزءا كبيرا من وقته، خصيصا لهذه القضية، واتصل شخصيا بإدارة المؤسسة، داعيا إياها إلى حل هذا الإشكال.
وقد كان لتدخله الأثر العميق في نفوسنا، وكانت مبادرة طيبة منه لاتنسى أبدا.
وفيما بعد، تطورت الأمور نحو التسوية، والتنازل عن المتابعة القضائية، وبقي الزايدي دائما كبيرا في عيوننا.
ولاشك ان كل الزملاء الذين مارسوا المهنة ارتبطوا ، من قريب أوبعيد، مع الراحل بعلاقة ما، او صداقة ما، أو رحلة مهنية ما، فقد كان صديق الجميع.
ومن أجمل الذكريات مع الزايدي، رحلة ضمن وفد كبير إلى المملكة العربية السعودية، ضم عددا من رجال الجامعة والصحافة بهدف الاطلاع على النهضة التعليمية والإعلامية، في هذا البلد العربي الشقيق، (الصورة)، كان من أبرز المشاركين فيها الاستاذ سعد الدين العثماني، واحمد الريسوني، ومصطفى العلوي، قيدوم الصحافيين المغاربة، وغيرهم .
وعلى امتداد برنامج الرحلة المكثف والزاخر بزيارة العديد من مواقع البحث العلمي، ومنارات العرفان، ومؤسسات الإعلام، في السعودية، كان الزايدي يسأل ويناقش، بحماس كبير، وكأنه يحاول، بحرص شديد، ألا تفوته أي صغيرة أو كبيرة.
وفي لحظات الاستراحة، خاصة في الليل، كان يحلو السهر رفقة الزايدي، حيث يتجمع الزملاء حوله في حديث متواصل عن الإعلام المغربي وشؤونه وشجونه، خاصة في تلك السنوات، التي كان فيها المرحوم ادريس البصري يمسك بحقيبتي الداخلية والإعلام، في أغرب مفارقة من نوعها في تاريخ المغرب السياسي.
أيها الزميل العزيز الزايدي ، لترقد بسلام في أحضان التربة الطيبة، التي انجبتك..والتي يحق لها أن تفتخر بانتمائك إليها.