الرئيسية / وجهات نظر / كفى الله ليبيا شركم
5f3815ee8e71865999021ea5cce287ab

كفى الله ليبيا شركم

يعلم العارف والأقلّ معرفة، ويذكر المؤرّخ وغير العالم بالتاريخ، أنّ ليبيا ضربت المثل في الجهاد في سبيل الله والوطن، وسارت بذكرها وببطولاتها الرّكبان، ونقلت أخبار صمودها الصّحف بكلّ لغة ولسان، واعترف لها بصادق الكفاح قناصل الأعداء قبل الأصدقاء، فبقيت للتاريخ عبرة وللأجيال أمثولة يستشهد بها الجميع إلا أبناؤها.
تصدّت في مستهلّ القرن الماضي، لأبشع وأفظع أنواع الغزو، والظلم والاعتداء، فنهض أبناؤها شرقا وغربا وجنوبا ووسطا، يذودون عن الأعراض والكرامة، ويدافعون عن الدّين والوطن، ولا سلاح لهم ولا عتاد، غير إيمانهم المتين، وشجاعتهم النّادرة، وتضحياتهم المخلصة لوجه الله. واجهوا المدافع والطائرات، ببنادق صيد وأسلحة هرمة بالية، لكن صمّموا وصبروا وصابروا، وعقلوا أنفسهم، كي لا يتقهقروا إن ضعفوا، عاشوا على التّمر الجافّ والزّيتون، وساروا ليلا ونهارا راجلين أو على الجمال، فأذهلوا العدوّ قبل الصّديق، وأذاقوا العدوّ الغازي المرارة وعظيم الخسائر، فلم يظفر بنوع من النّصر، إلا بعد عقدين من الحرب والقتال.
لم يكن لأولئك الأبطال المؤمنين المجاهدين، سيارات ولا أجهزة اتّصال، ولا هواتف محمولة أو غير محمولة، فصعب عليهم الاتصال والتّواصل، وأرضهم ما هي عليه من اتّساع ومساحات. رغم كلّ هذه الصّعاب، تواصلوا ونسّقوا ما أمكن تنسيقه، فكان لهم أجر المجتهد وإن لم يصب، وهو أجر واحد.
أسماء كثر لمعت، في كلّ ركن من أركان البلاد، فهذا سوف المحمودي، وذلك سليمان الباروني، وذاك شيخهم عمر المختار، وسيف النّصر في أقصى الجنوب، وخليفة بن عسكر في الجبل الغربي، والطاهر الزاوي وغير هؤلاء الأبطال كثير، جاهدوا ولم يطلبوا جزاء ولا شكورا. ولا طالبوا بعد ذلك بالتّعويض، كما يطالب اليوم أشباه الثوّار، بل استغلّهم بعد موتهم الكثيرون، منهم الحاكم الذي قبع على صدر ليبيا عقودا أربعة، فأسس مكتب الجهاد لتلميع صورته، ولشراء الذّمم ونشر الرّشوة، فكثر الكذب والتدليس.
ما الذي كان يحرّك أولئك المجاهدين يا ترى ويذكّي هممهم؟ بأي مبدأ وأية عقيدة نادوا للجهاد؟ لماذا استجاب للنّداء الصّغار والكبار؟ وراء أيّ أجر كانوا يجرون؟
حرّكهم إيمانهم بالدّين الحنيف إيمانا صادقا لا تزييف فيه ولا تظاهر، وحرّكتهم كرامتهم بعد إسلامهم، وذكّت همّتهم محبّة الله والوطن، ونادوا بعقيدة لا إله إلا الله، فكانت الاستجابة من الكبار والصّغار، تلبية لمشاعرهم المسلمة المؤمنة، وإرضاء لضمائرهم الطاهرة الصّادقة. كان هذا لأنّ الجميع مسلمون مؤمنون، ليسوا في حاجة إلى داع أو مبشّر.
هذه ليبيا المجاهدة، وهذا إيمان أبنائها بالله وبها، فهل تغيّر اليوم شيء؟ نعم! تغيّر الذين يدّعون الجهاد ويلتحفون باسم الإسلام، يبعثون بغيرهم إلى الموت، وهم عكس ما كان عليه الأسلاف، قابعون في مكاتب وبيوت وارفة وعلى أرائك مريحة، بدل أن يكونوا في الواجهة يحاربون، كما حارب الأسلاف المخلصون. نصّبوا أنفسهم أئمة مصلحين، وهم المفسدون. سمّوا أنفسهم ثوّارا وما أتوا إلا فجورا. تظاهروا بالإسلام وأجبروا وتعدّوا باسمه، وهم عن أقلّ واجبات المسلم بعيدون. لم يأمروا بالمعروف ولا نهوا عن منكر، بل أتوه، وقتلوا النفس التي حرّم الله، واعتدوا والله لا يحب المعتدين، وظلموا والله يكره الظالمين.
هنا يحقّ لنا، ولكلّ متتبّع لما تقاسيه ليبيا وأهلها المسالمون، أن نتساءل ونسأل ما الذي يبغيه الضّالون؟ أكراسي الحكم يريدون؟ هي لهم إن أحرزوا على أغلبيّة من ثقة الشعب الذي باسمه يقترفون، وعليه يعتدون، ولم يتعظوا بنفس الأحداث التي هم في غمارها يسبحون. لماذا انتفض الشعب يوم 17 فبراير؟ أليس ضدّ الظلم والطغيان والاعتداء، والسّلب والنّهب، والمحسوبيّة والرّشوة، والاستلاء على ثروته وكبت حرياته، وقتل الأبرياء دون حق، وغير ذلك ممّا حرّم الله؟ أين اليوم من طغى وصال واعتدى؟ أليس في زوال أولئك الظالمين عبرة لمن يعتبر؟
لا، إنّ طغاة اليوم، بمالهم الحرام، وامتثالهم لغير مصلحة وطنهم وهي مصلحتهم، وإتيانهم ما ليس وراءه غير الوبال من أعمال وأقوال، كأنّهم يعملون بفلسفة المثل الشعبي الذي يقول: “يوم فرّوج ولا عشرة دجاجة”! لكن، وبعد؟
إن الشعوب تمهل ولا تهمل، وبقدر ما اشتدّ الظلم اشتدّ الانتقام، وعظم القصاص، والمسلم الحقّ، الذي يسلم النّاس من يده ولسانه، لا يريد ولا يتمنّى لليبيا، ولأهلها، حياة الانتقام ولا تبعات القصاص. لأنّ الشّعب اللّيبي شعب مسلم بحق، لذا فهو يؤمن بسماحة الدّين والتّسامح فيه، ويعمل بتعاليمه التي تنادي بالجدال بالّتي هي أحسن، وبالكلمة الطيبة، فالله سبحانه يقول: “ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيّبة كشجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السّماء تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها ويضرب الله الأمثال للنّاس لعلّهم يتذكّرون”.=
لقد حان الوقت أن يراعي الضّال نفسه وليتذكّر، إن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، مآله يوم لا ينفع مال ولا بنون، ولا يجزي عنه الإخوان المسلمون، ولا الجهاديّون، ولا السّلفيّون، ولا المتطرفون، ولا أنصار الشريعة وما يتبعون، لا يجزون عنه شيئا ولا عنه يذودون.=
لقد فهم هذا أو بعضه أبناء تونس، فنهوا النّفس عن الهوى، فحافظوا على إيمانهم، وحفظوا لبلادهم النّجاة من كلّ فتنة أو ضرر. هل هذا على أبناء ليبيا عزيز؟ هل يعجز أحفاد عمر المختار والسويحلي والباروني وسوف المحمودي والفكيني وسيف النّصر والقاضي والمريّض وخليفة بن عسكر والطاهر الزاوي ومحمد بن عامر وعشرات آخرون، هل يعجز أحفادهم اليوم عن إنقاذ ليبيا من الفوضى والفتنة وتوحيد الكلمة والصّف؟ ما ذلك على الله بعزيز، ولا على الليبي الذي عرف بصبره وشهامته والحفاظ على كرامته.
إنه الليبي المسلم الحق، والمؤمن بصدق العامل بقول الرسول الأعظم صلوات الله عليه: “لَا تَقَاطَعُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا”. أمّا الآخرون، الضّالون المضلَّلون، فنقول لهم توبوا إلى ربّكم قبل فوات الأوان وقوا ليبيا شرّكم إنّ يوم الفصل قريب.
“العرب”