الرئيسية / وجهات نظر / تغيير تونس في أربع وعشرين ساعة
NIZAR BOULAHYA

تغيير تونس في أربع وعشرين ساعة

مهلة بأربع وعشرين ساعة منحها وزير العدل للمشرفين على سجن في العاصمة تونس حتى يصلحوا حال ما كان مفترضا انه مطبخ. الوزير الذي كان يقوم بزيارة وصفتها مصادر إعلامية بغير المعلنة و»الفجئية» صعق على ما يبدو للمشهد الذي رآه وصرخ في وجوه المسؤولين «هذا ليس مطبخا انه مزبلة…». ولم يعلق أحد منهم بالطبع ليكتفي المسؤول الحكومي البارز بعد ذلك باطلاق انذار عسكري صارم بمنحهم أربعا وعشرين ساعة لا غير حتى يبدلوا المزبلة الحيوانية ويحولوها بعد يوم واحد فقط إلى مطبخ صالح للآدميين.
ولان الوزراء لا يكذبون ويفعلون ما يقولون فقد عاد معاليه إلى السجن مباشرة بعد انقضاء المهلة وتناقلت مواقع إخبارية كثيرة صور الانجاز الخارق الذي حصل بفضل زيارته الميمونة وانذاره المزلزل. فقد صارت المزبلة أخيرا وبعد وقت قياسي قصير مطبخا. أليس ذلك قمة التحول الديمقراطي الذي لم يدرك له التونسيون حتى الآن لا طعما ولا لونا ولا رائحة لكنهم عرفوه وشاهدوه بأم العين فقط في السجن بعد مهلة الأربع والعشرين ساعة؟

المزيد: في المشهد الديموقراطي التونسي

كم كان سهلا وبسيطا ان تتغير الأحوال بين ليلة وضحاها وفي أربع وعشرين ساعة وينقلب جحيم السجناء والسجانين معا هناء وسعادة؟ لكن ألم يكن ذلك ممكنا ومتاحا من قبل ان يحل ركب الوزير؟ قطعا لا وإلا لما كان هناك من داع أو موجب لوجود الوزراء وبقائهم في مناصبهم. فهم وفقا للمنطق التونسي والعربي جعلوا فقط لأجل اصلاح كل شيء فاسد بدءا من الحنفيات «المخرومة» والتيار الكهربائي المقطوع والبالوعات الطافحة وصولا إلى شتى الأمراض والعلل الإدارية التي لم يوجد لها لقاح أو علاج. هل كانوا بالفعل كما تروي الحكايات كائنات غريبة وخارقة للعادة قدمت من كوكب آخر أم انهم عكس ذلك تماما بشر عاديون وتونسيون مثل باقي الشعب الكريم؟
ان شكلهم ومظهرهم وطريقة حديثهم تبدو مختلفة ما في ذلك شك، ولكنهم يعرفون أيضا انهم ليسوا على تلك الدرجة الكبيرة من التنافر والتناقض الحاد والصارخ مع بيئتهم بعد ان زالت الكثير من الأقنعة القديمة وانكشف زيف وخداع عمليات التجميل القسرية التي خضعوا لها طوعا أو اجبروا على الخضوع لها قسرا نزولا عند رغبة القائد والزعيم الأوحد.
لقد كان النظام على مدى ستين عاما يصور وزرائه على أنهم شعب السلطة المختار ويقدمهم على أنهم قديسون لا يخطئون أو يقصرون بالمرة ولا ينامون أو يغفلون مطلقا عن الاهتمام بشؤون البسطاء والمحرومين، وكانت الإذاعات والتلفزيونات الرسمية والصحف تردد شعارا باردا وأجوف يصف كبار المسؤولين بجنود الدولة الساهرين على فض مشاكل البلد المعقدة والعويصة وتخفيف مآسيه التي لا أول لها ولا آخر.

المزيد: الأنظمة العربية وأخطار العجز عن الإصلاح

لكن المغفلين والمخدوعين وحتى الحمقى اكتشفوا بعد وقوع الفاس في الرأس ان من كانوا يحسبونهم جنودا صادقين ومتعففين لم يكونوا في النهاية سوى عصابة مختارة من اللصوص ومصاصي الدم الذين لا هم لهم سوى نهش ونهب كل ما تطاله أيديهم ومخالبهم وان الحياة بعد غيابهم لم تكن جحيما ونارا مثلما ظلوا يرددون على مسامعهم طوال السنوات والعقود الماضية.
ولان الديمقراطية كانت وما زالت فكرة عائمة ومشوشة لم تخرج بعد من صالونات من أطلقوا على أنفسهم ألقاب مفكرين ومنظرين كبارا لها فقد عاد الوزراء الجدد إلى ممارسة اللعبة القديمة بحماس مضاعف رغم علمهم وادراكهم بوجود تغييرات شكلية وديكورية بالأساس على قواعدها وأساليبها والسبب باختصار وبساطة هو أنهم وصلوا إلى قناعة لا تقبل الدحض أو التشكيك بان «الجمهور عاوز كده» وانه لا مفر لمصلحة الطرفين طبعا من النزول عند رغبات ومطالب أغلبية كانت واستمرت في شراء صمتها بالخبز حتى تظل على قيد الحياة.
لقد قام وزير العدل بعد العودة ثانية إلى السجن للتحقق بنفسه من التزام المشرفين عليه بتطبيق الأوامر والتعليمات بتحويل المزبلة إلى مطبخ في زمن قياسي لم تسجله موسوعة غينيس وفقا لما جاء في بيان أصدرته الوزارة «بشكر الأعوان والتعبير لهم عن عميق التقدير لتحملهم مسؤوليتهم في تدارك النقائص» لكن البيان أضاف أيضا ان الوزير نبههم في المقابل «إلى عدم انتظار الزيارات الوزارية الفجئية لتدارك النقائص التي تشوب تسيير الوحدات السجنية». طوي الملف بعدها ودخلت الزيارة وانجازاتها علب الأرشيف الحكومي الجامد. فيما بقي التونسيون داخل السجن وخارجه مصرين على ان يظل كل شيء راكدا وثابتا على مكانه حتى تخرج الحكومة بطم طميمها ومن أكبر عضو فيها إلى أصغر موظف ينتسب إليها من المكاتب الرسمية لتنهرهم أو تأمرهم أو تعدهم وتفتح لهم باب الأمل الخادع والكاذب. لماذا يواصلون انتظارها بذلك الشكل المهين والبائس وكأنها ستنزل السماء فوقهم ماء مدرارا ولم تستمرهي باعضائها وموظفيها الكبار في أداء ولعب دور مسرحي باهت وممل وفاشل؟
قد تكون العادة التي لم يستطع أحد تخطيها أو كسرها رغم كل ما طرأ على البلد ومحيطه من تغييرات سمحت بقدر من التعبير هي المفسر لذلك السلوك. ولكن الإشكال لم يكن أبدا في مجرد اطلاق الألسنة من عقالها ما دامت العقول مدمرة ومنكوبة ومسكونة بالخرافات والأوهام التي تشل قدرتها على الحركة والابتكار وتقتل كل اجتهاد وتفكير في الاصلاح. وهنا لا فرق يبدو بين دور الوزير زمن الاستبداد ودوره الآن في المرحلة الجديدة. ولا فرق أيضا بين سلبية الناس والجمهور في السابق وسلبيتهم وخمولهم واستقالتهم في الوقت الحاضر. ما يزيد الصورة سريالية وغرابة هو ان المسؤولين الحكوميين يعرفون جيدا انهم يخاطبون شعبا فاقدا للقدرة على التمييز كان النظام التسلطي يعتبره قاصرا ومنعدم الادراك والأهلية وعلى الطرف المقابل أيضا لا يطمئن الناس بشكل عام لأقوال الوزراء ومواقفهم ولكنهم لا يستطيعون أبدا ان يتخلصوا منها أو يديروا ظهورهم إليها ويقطعوا عادة انتظارها وترقبها.
أما ما ينتج عن ذلك باختصار فهو ازدياد الشخصنة والفردانية نفوذا وقوة وتوسع موجة الشعبوية الجوفاء وتمددها يوما بعد آخر. ومن الواضح ان وسائل الإعلام المحلية وشبكات التواصل الاجتماعي أيضا هي التي تطلق اكسير الحياة للبعض والنار والرصاص للآخر فتقدم وزراء محددين على انهم أبطال خارقون لمجرد انهم صاحوا بوجه مسؤول أو أعلنوا قرارا طوباويا لا سبيل أبدا لتحقيقه على الأرض وتترك وزراء آخرين في المقابل في الظل حتى ينساهم الناس ولا يذكرون لهم أي انجاز أو قرار وهو ما ينعكس في الحالتين على رصيدهم في الشارع بالنقص أو بالزيادة. هل باستطاعتهم ان ينتفضوا ويثوروا بوجه الناس وان يقولوا لهم صراحة ودون لف ولا دوران… عوض ان ترفعوا شعاركم الممجوج «الشعب يريد تغيير النظام» غيروا أنتم ما بأنفسكم أولا ثم التفتوا بعد ذلك إلى النظام؟
لقد قالت وزيرة الثقافة في تصريح لصحيفة «المغرب» المحلية بان هناك نوعا مما وصفته بـ»عدم الثقة عند التونسي» فهم أي التونسيون كما قالت «يرون ان القرارات الجريئة هي السريعة بينما أنا اعتبر ان القرارات الجريئة هي التي تأتي في وقتها… فالجرأة ليست في السرعة بل في البناء الصحيح ووضع الأشياء التي تبقى على المدى المتوسط والبعيد». لكن من له القدرة على تحمل ذلك وإستبدال الأوهام القديمة التي رسخت بان أولائك المسؤولين لديهم قدرة خارقة وعجيبة على تغيير الواقع في رمشة عين بنظرة أخرى بديلة أكثر واقعية وبراغماتية تجعلهم يظهرون باحجامهم الطبيعية أي كموظفين سامين يؤدون واجباتهم مثل باقي الموظفين ولا يتحكمون في مصائر الناس وأدق تفاصيل حياتهم.
انهم قليلون بالتأكيد لان حلم التونسيين وتطلعهم إلى التغيير يشبه إلى حد كبير مهلة الوزير التي حولت في ظرف أربع وعشرين ساعة فقط مزبلة السجن إلى مطعم آدمي. انه حلم سريع سرعان ما يتبخر أما ما يبقى بعد الحلم وبعد الزيارة فهو السراب وكابوس الواقع الجامد والراكد ومزيج من الأمنيات البعيدة واليأس المجنون والقاتل.

٭ كاتب وصحافي من تونس/”القدس العربي”