الرئيسية / وجهات نظر / عواصف الربيع العربى تصوِّت لرئاسة الخريف فى الجزائر!
ba5d38b89bc1c6d65a2f54402356690d

عواصف الربيع العربى تصوِّت لرئاسة الخريف فى الجزائر!

لم يفقد المشهد الساحر رومانسيته.. مدينة يضمها الجبل فى أحضانه.. تضع خدها على رمال الشاطئ.. منتظرة أن تسمع أسطورة قبل النوم من جنيات البحر.
لكن.. الصورة السياحية للجزائر المعلقة فى الموانئ والمطارات بعيدة تماما عن صورتها السياسية المنشورة على صفحات الجرائد وشاشات الفضائيات.
منذ اغتيال الرئيس محمد بوضياف فى عام 1992 لم أزر الجزائر.. حرق الإرهاب قلوب أهلها.. وفكك أوصالها.. وحطم أضلاعها.. وفصلها عن أصحابها.
آمنت الجزائر بأن الحب بالمراسلة علاقة عاطفية متخلفة ففتحت ذراعيها لكل من يقف فى خندق الثورة فشدتنى إليها.. وزرت مدنها.. وتعرفت على زعمائها.. وسجلت صفحات طويلة من نضالها بشهادات من ثوارها.. لكن.. جاء الطاعون ليطفئ القمر من سمائها.. وليسرق الحلم من عيون شبابها.. فنافست آبار الدم آبار النفط.
بعد كل هذا البعاد أعود إليها.. زيارة خاطفة 48 ساعة لتجديد الوصال.. ومهمة محددة لرصد الانتخابات الرئاسية الأخيرة التى جرت يوم الخميس الماضى.
فى قلب المشهد صورة لفتت الأنظار.. وشدت الانتباه.. وأثارت الجدل.. وحظيت بثرثرة ساخنة لم تخل من نميمة عابرة.
فى الساعة العاشرة والنصف من صباح يوم التصويت دخل عبدالعزيز بوتفليقة ليدلى بصوته فى لجنة “مدرسة البشير الإبراهيمى ” فى منطقة الأبيار شمال العاصمة.. حيث تسكن عائلته.. دخل على “كرسى متحرك”.. بجانب شقيقيه السعيد وعبدالناصر.. كان صامتا.. ساكنا.. مكتفيا بابتسامة خفيفة.. انتهت بقبلات على الكتف من بعض رجاله كان على رأسهم مدير حملته الانتخابية عبدالسلام بوشوارب.
منذ سنة تقريبا.. بالتحديد فى شهر إبريل الماضى.. أصيب بوتفليقة بجلطة فى المخ نقل بعدها إلى مركز ” فال جراس” فى فرنسا.. وبعد شهور من الرعاية العلاجية الفائقة استرد عافيته.. أو أغلبها.. فقد خلفت آثارا ظاهرية لا تخف على أحد تحتاج وقتا للتخلص منها.
لم يشأ بوتفليقة أن يدلى بصوته بالوكالة.. وخرج ليواجه الشعب عبر كاميرات التليفزيون بما هو عليه.. نوع من الصراحة والجرأة والمواجهة التى اشتهر بها.. واعتاد عليها.. لم يشأ أن يخفى شيئا على أحد.. تاركا للناس الحرية فى أن تختاره أو تختار منافسه القوى على بن فليس أو تختار واحدا من الأربعة مرشحين الآخرين: عبدالعزيز بلعيد وموسى تواتى أو لويزة حنون أو على فوزى رباعين.
وعلى بن فليس تولى حملة انتخابية سابقة لبوتفليقة قبل أن يصبح رئيسا لإحدى حكوماته.. وسبق أن ترشح ضد بوتفليقة فى العهدة (الفترة) الثانية.. وبعد هزيمته اختفى من الحياة العامة.. ويقال إنه أخطأ التقدير.. فقد تصور أن مرض “الرئيس” سيمنعه من الترشح فتقدم لنيل منصبه.. باعتباره واحدا من جماعته.. لكن.. حسابات السلطة التى كان جزءا منها خذلته.
وقد سبق لبوتفليقة أن ظهر واقفا وهو يصافح وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى.. وسبق أن ذهب إلى اللجنة المسئولة عن الترشح وتحدث مع أعضائها.. لكنه.. هذه المرة فضل الظهور أمام أضواء العدسات على ” الكرسى المتحرك “.. لتكون حالته واضح للعيان.. بلا تضليل.
ورغم أن المشهد الذى تصدر الصفحات الأولى والنشرات الإخبارية المصورة كان مباغتا ومثار هجوم من المعارضة فإن بوتفليقة فاز فى الانتخابات بنسبة تزيد على ثمانين فى المائة.. وكما توقع المراقبون فإن منافسيه سارعوا بالتشكيك فى نزاهة التصويت ونسبة الإقبال وحياد الحكومة.. ولكن.. ذلك التشكيك بدأ مبكرا.. فور اشتعال المعركة الانتخابية.. مما افقده كثيرا من القبول.. ربما كان حقيقة.. ربما كان حجة لتبرير الفشل فى المنافسة.
ركزت شعارات حملة بوتفليقة على السلم الاجتماعى.. والاستقرار الوطنى.. والنمو الاقتصادى.. وهى شعارات أثرت فى قطاعات عريضة من الجزائريين خاصة الأجيال التى عاشت “العشيرية السوداء”.. أو السنوات العشر فى تسعينيات القرن الماضى التى ذاقت فيها البلاد مرارة الإرهاب وقسوة مذابحه الجماعية.. وغيرت البحر الأبيض الذى تطل عليه الجزائر إلى بحر أحمر.
لقد كانت التنظيمات الإرهابية أشد شراسة ودموية من القوات الاستعمارية الفرنسية.. إن الخضرة فى الجزائر أكثر نضارة.. لأنها رويت بالدماء.. لا بالماء.
لم ينس الجزائريون تلك السنوات الصعبة التى توضأ فيها الإرهابيون بدمائهم.. بعرقهم.. بدموع عيونهم.. فعاهدوا أنفسهم وعائلاتهم ووطنهم بأن لا تعود.
وللإنصاف فإن الرجل الذى أعاد الاطمئنان إليهم كان عبدالعزيز بوتفليقة.. فعند انتخابه رئيسا للمرة الأولى فى 15 إبريل 1999 سارع بإخماد نار الفتنة.. وبدأ فى إعادة الأمن والسلم.. وأصدر تشريع ” الوئام الوطنى ” الذى حصل على تأييد 98% من أصوات الشعب فى استفتاء عام.
لقد أعاد بوتفليقة للبحر زرقته.. وللشعب حيويته.. وأعاد للوطن أمته المنفية التى كانت تحت إقامة جبرية.
هناك سبب آخر ربما لا يقل أهمية.. جعلت الجزائريين متمسكين بما هم عليه.. ما حدث من أزمات فى دول الربيع العربى.. حرب أهلية فى سوريا.. تفجيرات واغتيالات فى مصر.. عدم استقرار فى تونس.. صراعات قبلية مسلحة فى اليمن.. تفتيت الدولة فى ليبيا.. تقسيم السودان والعراق إلى دويلات ضعيفة متصارعة.. مشاهد “سكوب” مجسمة جعلت الجزائريين يحافظون على السلطة القائمة ولو بنسبة مشاركة فى التصويت لا تزيد كثيرا عن نصف عدد المسجلين فى الجداول الانتخابية.
يضاف إلى ذلك.. أن الإرهاب لا يزال يرى الجزائر فريسة مغرية للالتهام.. لا يجوز التفريط فيها بسهولة.. ومهما كان الثمن.
حسب تقرير بونا الكسندر مدير مركز الدراسات الإرهابية فى جامعة نيويورك عن الإرهاب فى شمال أفريقيا عام 2013 فإن عمليات العنف الدينى زادت بنسبة 60 % عن العام الأسبق ووصل عددها إلى 230 عملية.
سجلت الجزائر انخفاضا فى عدد هذه العمليات من 132 إلى 51 عملية.. أما السبب فهو أن الحكومة تعلمت الدرس من العملية التى وقعت فى 16 يناير 2013 عندما هوجم حقل غاز تيفورين بالقرب من الحدود مع ليبيا.. على بعد 1300 كيلومتر من العاصمة الجزائرية.
قاد العملية مختار بلمختار مسئول الكتيبة الإسلامية (الموقعون) والمنشق عن تنظيم القاعدة.. وتضم جماعته 32 إرهابيا من جنسيات مختلفة (مثل الجزائر وتونس ومالى ونيجريا ومصر وكندا).. ونجح فى السيطرة على منطقة كبيرة تضم منشآت تديرها شركات من الجزائر وفرنسا واليابان والنرويج وإيطاليا.. وكان إرهابيو الكتيبة قد تلقوا تدريبهم لمدة شهرين فى مالى.. وبعد تزويدهم بأسلحة متطورة قاموا بالعملية التى أسفرت عن احتجاز 700 رهينة جزائرية و134 من الرعايا الأجانب.. وطالب الإرهابيون بانسحاب القوات الفرنسية من مالى.. وعرضوا الإفراج عن عمر عبدالرحمن والعالم الباكستانى عافى صديق.
رفضت الحكومة الجزائرية التفاوض مع الإرهابيين وأطلقت حملة عسكرية للقضاء عليهم.. وبعد 50 ساعة من القتال الشرس أعلنت الجزائر إطلاق سراح 685 جزائريا و101 أجنبى.. ولكن.. فى النهاية سقط من الجزائريين والأجانب 48 ضحية بينهم 11 جزائريا و3 أمريكيين و3 بريطانيين و10 يابانيين.
وقد استفادت الجزائر من تلك العملية بسلسلة من التحسينات الأمنية.. منها وضع 6 آلاف جندى على الحدود مع تونس لمنع الإرهابيين من عبور الحدود.. وعملت مع شركات النفط على تدريب قوات أمنية فى منشآتها.
ولكن.. رغم ذلك فإن الجزائر لا تزال تواجه تحديات مستمرة فى حماية حدودها ولاسيما فى الجنوب الغربى، حيث يزداد نشاط القاعدة فى المغرب الإسلامى بتجنيد أعضاء جدد فى مخيمات اللاجئين التى تديرها جبهة البوليساريو.. بكل ما تحلم به وتسعى إليه.. الانفصال عن الدولة الأم.. وتأسيس جمهورية مستقلة.. لكنها.. تحولت إلى قنبلة موقوتة.. حسب وصف بان كى مون الأمين العام للأمم المتحدة فى إبريل الماضى لتلك المخيمات.
لقد صوت الجزائريون لما هو قائم خوفا مما هو قادم.. خوفا من تكرار ما كان.. عملا بالمثل المصرى الشائع: “من لسعته الشوربة نفخ فى الزبادى”.
بهذه الرؤية يبدأ بوتفليقة فترته الرابعة وهو فى سن السبعة والسبعين.. وبعد تعديل الدستور فى عام 2009 حين فتحت الفترات الرئاسية بعد أن كانت مقيدة بفترتين.
ولد بوتفليقة فى 2 مارس 1937 وانضم إلى العمل النضالى ضد الاحتلال الفرنسى فور الانتهاء من دراسته الثانوية وكان عمره 19 سنة.. وخلال سنوات الثورة تنقل بين جبهاتها المختلفة فى الداخل والخارج.. وعندما وصل هوارى بومدين إلى الرئاسة اختاره وزيرا للخارجية.. ولكن.. بوفاة بومدين (عام 1978) ترك بوتفليقة الجزائر لمدة ثمانى سنوات ليعود إليها فى عام 1987 ليصبح رئيسا لأول مرة فى 15 إبريل 1999.
وبوتفليقة هو الرئيس الثامن للجزائر.. البلد الذى يصعب حكمه على من يتولاه.. فقد أطيح بالرئيس الأول أحمد بن بيلا (15 سبتمبر 1963-19 يونيه 1965) فى انقلاب أتى بالرئيس الثانى محمد إبراهيم بو خروبة الشهير بهوارى بومدين (19 يونيه 1965 27 ديسمبر 1978).. وهناك شك فى أنه مات مسموما.. وجاء رابح بيطاط ليكون رئيسا مؤقتا (27 ديسمبر 1978-9 يناير 1979) تمهيدا لانتخاب الرابع الشاذلى بن جديد (9 يناير 1979-11 يناير 1992) لكنه استقال قبل أن يكمل مدته الثانية.. ليأتى الرئيس الخامس محمد بوضياف (15 يناير 1992-29 يونيو 1992) لمدة لا تزيد كثيرا عن ستة أشهر.. فقد اغتيل على الهواء.. وجاء الرئيس السادس على كافى (2 يوليو 1992-31 يناير 1994) ليظل فى الحكم أقل من عامين.. وبعده جاء عهد الرئيس السابع الأمين زروال (14 يونيه 1994-27 إبريل 1999).. وينسب إليه التعددية السياسية.. وظهور أحزاب المعارضة فى البرلمان لأول مرة وفتح الطرق المغلقة أمام حرية الإعلام.. فظهرت الصحف المستقلة والأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية وإن بقيت قيود قانونية على بث قنوات خاصة.. فما نستقبله منها يخضع لشركات خاصة أشهرت فى عواصم أوروبية.
ويبدأ بوتفليقة عامه السادس عشر فى السلطة وسط مطبات سياسية خفيفة.. قابلة أن تكون ثقيلة.. فهناك أحزاب قاطعت الانتخابات بعد أن طالبت بلجنة محايدة للإشراف عليها.. وهناك حركات احتجاجية رافضة منها حركة «بركات» (معادلة لحركة كفاية فى مصر) نجحت فى النزول إلى الشارع.. بجانب دعوات من شخصيات سياسية (مثل مولود حمروش وكان رئيس حكومة فى التسعينيات) وشخصيات مخابراتية سابقة تطالب بفترة انتقالية تديرها حكومة ائتلاف وطنى ومجلس تأسيسى جديد ودستور مختلف.
لكن.. الخوف من أن ينتهى هذا السيناريو إلى المشاهد الذى تعيشه مصر وليبيا وتونس وسوريا والجزائر واليمن ومالى ونيجريا والصومال يضاعف من أعدد الرافضين له.. ولو نجح بوتفليقة فى جذب الشباب إليه بالتخفيف من البطالة وزيادة فرص العمل المناسبة ودعم الخدمات الصحية والثقافية فإن نظامه سيكون محل تأييد مساحات عريضة من الشعب.
لقد عرفت الجزائر أزمنة متنوعة بارتفاعها وانخفاضها.. بعافيتها ومرضها.. بنظامها وفوضويتها.. بحنانها وقسوتها.. بإسلامها وإرهابها.. لذلك.. تختار ما تجده صالحا لها.. وتعودت أن تحتمل ثمن اختياراتها.
“الفجر”