الرئيسية / وجهات نظر / الحكواتي وحكايا “الربيع”
3ddd6c3f047876a17bfd9e84495cec20

الحكواتي وحكايا “الربيع”

للمرء أن يتصور عودة مستقبلية للحكواتي في بلاد العرب، في ليبيا مثلاً لا حصراً، ويجلس أمام مستمعيه كجد يخاطب أحفاده: قال الراوي يا سادة يا كرام، إن هناك بلداً كان اسمه ليبيا قبل أن يحل عليه فصل “الربيع” الذي أصبح ماركة عربية مسروقة من براغ، فتحول البلد من دولة إلى محميات مليشيوية متناحرة، هذه تضع يدها على النفط، وتلك تخطف، وثالثة تحتل المطار، ورابعة تخطف رئيس الحكومة، وخامسة تعلن منطقتها إقليماً مستقلاً وتنشئ له حكومة ونشيداً وعلماً .
رواية الحكواتي بطبيعة الحال ليست ككتابة التاريخ بأقلام الأقوياء والمنتصرين، لذلك سيعتد ويحتج بها أكثر برنارد هنري ليفي الذي تباهى بدوره في تدمير ليبيا، ورغم اعترافه التبجحي سمّى كتابه تضليلاً “الحرب التي لا نريدها”، قبل أن ينقل تجربته من غرفة العمليات في ليبيا إلى الحدود السورية ثم يبدأ “كتابه” الجديد من ساحة الاستقلال في كييف الأوكرانية، بادئاً فصله الربيعي هناك بخطبة عصماء ضد روسيا وفلاديمير بوتين، حيث إن هذا الصهيوني الفرنسي يموت في حبّات عيون أوكرانيا .
سيقول الراوي أيضاً إنّ هناك بلداً اسمه الصومال يشهد حرباً داخلية مفتوحة، بعدما كان موحداً وطرد قوات أمريكية غزت بلاده ذات يوم من مطلع التسعينات قبل أن تنقسم البلاد بفعل فاعل ودعم داعم، إلى مليشيات متقاتلة على السلطة في بلد لم تعد فيه مائدة لسلطة بقدونس بعدما جوّعه الغرب والحرب، ومع ذلك جن جنون بعض كتّابه وسياسييه حين سمعوا مسؤولاً عربياً لم يغالبه النعاس يحذّر من صوملة ليبيا، رغم أن البعض خشي على الصومال بعد الانتخابات أن تصيبها الجزأرة للتشابه في الحالة مع الجزائر، في حين أن هناك في الصومال ومالي ونيجيريا والجزائر وتونس وسوريا وأسكيمو القطب الشمالي يحذّرون من “اللبينة” وانتقال العدوى الليبية، بعدما أمضوا عقداً من الزمان، منذ احتلال العراق ووضعه في موقد الفتنة الطائفية والمذهبية، يستخدمون مصطلح “العرقنة”، تاركين اللبنانيين لبضع سنوات يستريحون من سماع الأصوات المحذّرة من اللبننة، بل وباتوا يعانون منذ ثلاث سنوات السرينة المحمولة براً أو صاروخياً أو تفخيخياً من سوريا .
سيقول الراوي أيضاً إن كل هذا المشهد المتنقل غلّف أهله بالسوداوية رغم أنهم أكثر أمة يتداولون عبارة استعمارية محفورة على جلودهم وذاكرتهم على شكل سياسات ووقائع تقول “فرّق تسد”، ورغم أنهم الأمة الوحيدة التي لديها حديث شريف يقول “لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين”، وكانت لديهم تجربة همس فيها محرضون للأردنيين أن يحذروا الفلسطنة، وخوّف فيها الفلسطينيين من الأردنة، وبرز لهم شيطان الفتنة يوسوس بين الأشقاء، متأرجحاً بين المنابر والشاشات يحوّل الدماء ماء ويستجير من الرمضاء بالنار، داعياً مستعمري الأمس واليوم وليحوّلوا أمريكا إلى معتصم هذا الزمن العربي المضحك المبكي .
يحار المرء في تخيّل ردة فعل الأحفاد على رواية حكواتي زمن سيأتي عن ماضي أجدادهم، ولا يدري حينها بأية لغة سيقرأ الفاتحة على أرواح الشهداء، فلربما تختفي اللبننة والعرقنة واللبينة والسرينة، بعد أن تطوى صفحة الصهينة .
“الخليج” الإماراتية