الرئيسية / وجهات نظر / تونس… القضاء في قلب العاصفة
MEHDI MABROUK

تونس… القضاء في قلب العاصفة

مع بدء رحيل فصل الصيف مبكراً هذه السنة، عرفت تونس عواصف وزوابع خريفية، لم ينج منها القضاء، بمختلف هياكله وجمعياته المتعددة (جمعية القضاة، نقابة القضاة، المرصد التونسي لاستقلال القضاء …)، فضلاً عن منتسبيه من قضاة وغيرهم، وهي ناجمة عن مواقف وتصريحات مشككة في نزاهته واستقلاليته، وهي تصريحات صادرة طوراً من داخل القطاع: مهنيو القضاء بمختلف أسلاكهم ومواقعهم والهياكل المسيرة له، على غرار هيئة القضاء العدلي وغيرها، وطوراً آخر من خارج القطاع، على غرار بعض تصريحات نواب مجلس نواب الشعب والإعلام، وكلها تصب في أمرين: خضوع الحركة السنوية للقضاة إلى معايير غامضة، قد تكون تخفي بعض رواسب بقايا المحسوبية والمحاباة وخضوع القضاة أيضاً في إصدار أحكامهم في قضايا الإرهاب إلى ضغوط، خصوصاً بعد أن أطلق القضاء سراح ما عاد يعرف “خلية القيروان”، للمرة الثانية، حتى بعد اختطافهم من أمام قصر العدالة، إثر إطلاق سراحهم، وذلك ما جعل روايات وزارة الداخلية محل شك، خصوصاً في ظل تزايد محتمل للتعذيب الذي نددت به منظمات دولية، لها حجج وبراهين عن عودة مثل هذه الأساليب، في ظل صمت غير مفهوم من جمعيات حقوقية تونسية. ولكن، أن يذهب بعضهم إلى اعتبار بعض القضاة خطراً على أمن البلاد، فذلك ما يعمق أزمة الثقة، ويصيب الناس بمزيد من الريبة، حد الهلوسة، في القضاة أنفسهم، والعدالة عموماً.

المزيد: تونس توجه أموال النظام السابق لدعم مشروعات البنية التحتية


التفاصيل هنا عديدة، والسرديات، أيضاً، مختلفة إلى حد التناقض والدوار، ولن يفيدنا كثيراً التحيز إلى موقف على حساب آخر. ولكن، علينا أن نستخلص العبرة من ذلك كله، قبل فوات الأوان، وإلا خسرنا معركة أخرى، تنضاف إلى ما خسرناه من معارك في عمر الانتقال الديمقراطي القصير إلى الآن.
علينا أن نعترف، أولاً، أن تحصين القضاء دستورياً غير كاف، وأن ولع التونسيين “بالدسترة” إلى حد العبث، أحياناً، لا يمكن أن يكون ضمانة كافية لما ينشدونه من قيم، بما في ذلك استقلال القضاء واعتباره سلطة حقيقية، كما أن رغبة بعضهم في “جمهورية القضاة البعض”، ورغبة آخرين في حصر القضاء في مرفق عمومي، لن تحلا الإشكال، فاستقلال القضاء، قبل أن يكون دسترةً أو نصوصاً أو هياكل ومؤسسات، هو عقيدة، تماماً كالعقيدة الأمنية، وأن ثقافة القضاء المستقل هي، أيضاً، إحدى ورشات الانتقال الديمقراطي التي سرعان ما أغلقناها، بل إن عديدين منا لا يؤمن باستقلال القضاء، إلا إذا كان سيفه مسلطاً على خصومه. أما إذا سلط عليه، فنال من مجاله ومصالحه وقطاعه وجهته وحزبه، فإنه يحسب نفسه “شهيد هذا القضاء”.
كان القضاء التونسي، بعيد سقوط النظام، في قلب العاصفة. ولكن، علينا ألّا ننسى أن ثمة قضاة شرفاء خاضوا معركة من أنبل المعارك وأشرفها وأشرسها أيضاً، زمن الاستبداد، وأن منهم من سجن أو نفي، وما بدلوا تبديلا. كانت معركتهم مع القضاء الفاسد، ولم تكن معركة يخوضونها بعد الثورة على خلاف آخرين. ولم تكن، أيضاً، تصفية حسابات، وبحثاً عن مواقع جديدة. كانت معركة من أجل إصلاح القضاء، غير أن أخطاء المنهج والتعاطي مع هذا الاستحقاق بعد الثورة، ناهيك عن جيوب الممانعة، ودكاكين الدولة العميقة المعششة في جل المواقع، حالت دون إنجاز شيء يذكر. لم نقدّر حق تقدير نصائح منظمات دولية عديدة، كانت تنبهنا إلى إعطاء الأولوية المطلقة إلى إصلاح القضاء، لضمان نجاح الانتقال الديمقراطي.
لدينا في تونس خصال كثيرة، منها خصلة النسيان، لكنه نسيان يظلّ يذكّرنا، باستمرار، أنه قد يتحول إلى نقمة، إذا تكاثر وعمم. و”تعثرنا الديمقراطي”، إلى حد الآن، ناجم عن حيل النسيان التي تقذف في وجهنا، من حين إلى آخر، فاتورة ثقيلة علينا أن نسددها. المصالحة مع المال الفاسد، تبرئة قتلة الشهداء .. من بعض فاتورة النسيان تلك.
قد يكون القرار الذي اتخده رئيس الرصد التونسي لاستقلال القضاء، القاضي بالكف عن التصريحات في شأن القضاء حكيماً، حتى لا يُتاح لخصوم استقلال القضاء والشامتين فيه اتخاذه ذريعة لنشر مزيد من الغسيل، فذلك لن يفيد القضاء أو المتقاضين، فالتشكيك سيدفع الناس إلى مزيد من استحداث أشكال متعددة من قضاء مواز. بناء المواطنة يقتضي الاستسلام إلى قضاء عادل، أما البحث عن عدالة أخرى، غير عدالة القضاء المدني الوضعي، فستدفع إلى موجات غير مسبوقة من حركات لاجئين إلى عدالة الذئاب، المجتمعة أو المنفردة.
كل ملفاتنا العالقة والتي ارتبكنا في حسمها، أو ترددنا في فتحها، تحتاج إلى قضاء عادل ومستقل ونزيه، يكون فوق أهوائنا ورغباتنا. ولن ننجح في اختبار الانتقال الديمقراطي الصعب، حتى في حده الأدنى، من دون قضاء مستقل ونزيه، نعيد معه وبه بناء ثقتنا المفقودة في مستقبلنا.

*وزير تونسي سابق/”العربي الجديد”