الرئيسية / وجهات نظر / حدود المناورة في الرهان الانتخابي لزعيم حزب الاستقلال
MOHAMED BOUKHEZAR

حدود المناورة في الرهان الانتخابي لزعيم حزب الاستقلال

لم يسبق لزعيم سياسي مغربي، ان رهن استمرار وجوده على رأس قيادة حزبه، بشرط الحصول على المرتبة الأولى، في أي استحقاق انتخابي، ذي طابع محلي أو وطني،على مدى عقود التجربة الديموقراطية المغربية؛ متجاهلا أو مستهينا بقوة المنافسين الآخرين وحقهم في إشهار نفس الرغبة المشروعة.
ومن هذا الجانب وحده، يمكن اعتبار إعلان التزام، حميد شباط، أمين عام حزب الاستقلال، بذلك التعهد يوم السبت الماضي، في لقاء بمقر الحزب مع الصحافة المغربية، موقفا استثنائيا وحدثا مثيرا، من شأنه أن يضفي على المعركة الانتخابية الجارية، بعدا خاصا، وربما يثير علامات استفهام وأسئلة وتململا، سواء لدرجة الحيرة، داخل صفوف حزب الاستقلال نفسه،عدا تأثيرها على مجمل الساحة والطبقة السياسية؛ هذا اذا لم يسبب ذات الإعلان، إحراجا لقادة حزبيين آخرين، في حالة ما اذا وجدوا أنفسهم، في وضعية مماثلة لتلك التي يخشى الأمين العام الاستقلالي وقوعها، فجعلته يستبق الحدث المزلزل، كي لا تكون الصدمة قوية!

المزيد: شباط يواجه متاعب جديدة تضعف حظوظه في الانتخابات

قرار الأمين العام شباط، وهو المسؤول وحده، عن مدى جديته وصدقيته، محفز على قراءته وتحليله من زوايا شتى؛ دون استبعاد طابع المناورة السياسية الذكية عنه، والتي تتجلى في انه اختار توقيتا مناسبا لتفجير قنبلته ونشر دخان كثيف في الساحة المغربية، ليزيدها التباسا وغموضا، يجهل ما ستفرزه من حقائق. فكأنه، أي شباط، يقول انا القادر دون سواي، على الاتصاف بسلوك سياسي وفق النموذج الغربي المتقدم، يلزم من اخفق بترك المجال للأفضل، كشكل من أشكال التداول الديموقراطي على السلطة وفسح المجال أمام جيل جديد من القيادات.
ويقتضي حسن الظن في الأمين العام، العصامي، ان يحمل قراره على محمل الجد، وهو الذي عودنا، منذ قدومه، على المفاجآت الصاعقة في مساره السياسي الصاخب؛ كونه يمارس على سبيل المثال انتدابات شعبية كثيرة (عمدة فاس ونائب في البرلمان،عدا جمعه غير المسبوق بين أمانة حزب الاستقلال وقيادة نقابته العمالية (الاتحاد العام للشغالين) وهي حالة فريدة مقصورة على بعض الأنظمة الشيوعية الشمولية البائدة، تجد مبررها في ظل سلطة مؤسسة على احتكار “البروليتاريا” لوسائل الإنتاج، لصالح وباسم الشعب كما يزعمون!!
ماذا يقصد الزعيم، شباط، وهو المشاكس بطبعه، من رمي هذه القنبلة الانشطارية؟ هل اشتم ان رياح المعركة الانتخابية، لا تهب في اتجاه وصالح الجهة التي يتموقع بها، فخامرته الشكوك والتوجسات بخصوص إمكانية كسب رهاناته، خاصة وقد تعدد خصومه وتنوعت خططهم المستهدفة له؛
فاختار بالتالي التمهيد لانسحابه، بهدوء دونما حاجة الى معزين ومواسين؛عائدا الى عرينه النقابي، ليمارس منه لعبة الكر والفر التي اعتادها لسنوات، من حصن منيع، لا ينازعه فيه أحد.
جائز ان يكون الأمين العام، قد أحس بخلل داخلي في الماكينة الحزبية الصخمة، فاضطر الى تحريكها وخلخلتها بصعقة كهربائية قوية لاختبار سلامة المحركات والتأكد من خلوها من الصدأ، ليحدد بعد ذلك، السرعة الملائمة للسير في الطريق الوعر نحو المرتبة الأولى المأمولة.
هذا الاستنتاج قد يوحي أيضا ان شباط، ليس واثقا تماما من عدته وعتاده ونصره المؤكد. وأمام هذا السيناريو الكارثي، فانه يقوم بعملية استنهاض الهمم الاستقلالية ودعوتها مجددا الى الوحدة والالتفاف حول قيادته، ولو كلفه ذلك ان يمد يديه ولو باحتشام وحذر، نحو من تخلوا عنه من أفراد العائلة الاستقلالية العريقة، مشككين وطاعنين في زعامته!
هناك، رأي متقاسم بين محللين كثيرين، مفاده ان “شباط” اخفق في اغلب رهاناته السياسية وليس الحزبية فقط، التي حملها معه الى كرسي الأمانة العامة في حي “مارصة” بالرباط. خروجه المدوي من الحكومة واصطفافه في معارضة غير منسجمة، لم يحقق له الغاية التي انتدب نفسه وحزبه لإنجازها أي إرغام حكومة العدالة والتنمية على الاستقالة والتسبب في أزمة دستورية، او رضوخها لمطالبه، لاسيما وقد صور المعركة في بادئ الأمر، على أنها سهلة وفي متناول اليد، مدعوما في زحفه بالحشود العمالية التي ستتبعه؛ فاذا به يلاقي صمودا ومقاومة بل هجوما من لدن خصمه اللدود، عبد الإله بنكيران، الذي وجد نفسه مضطرا للاستعانة بتكتيكات مشابهة لتلك التي يعتمدها غريمه “شباط” للتصعيد وتجييش الأنصار، بغاية استقطاب الرأي العام والجهر بالحقائق عارية كما خلقت.

المزيد: شباط يعد بالاستقالة في حالة عدم فوز حزبه بالانتخابات المقبلة

والحقيقة ان الرهان الأخير لزعيم حزب الاستقلال، يبدو محيرا الى حد ما، فمثله لا يطلق الا في خضم الاستحقاقات التشريعية التي تمكن الحزب الفائز بالرتبة الأولى من تشكيل حكومة وطنية.
صحيح ان الانتخابات البلدية والجهوية المقررة يوم الرابع من سبتمبر، مختلفة عن سابقاتها، من حيث تأسيسها الفعلي لنظام الجهات، وبالتالي فهي ليست ملائمة لتكون فرس سباق، فلا معنى للمرتبة الأولى فيها، ما دام ان نظام الاقتراع والتحالفات يتيح الصعب والمستحيل، على غرار ما وقع في استحقاق الغرف المهنية وقبلها في الاستحقاقات الماضية؛أي ان الحزب الأول، أصواتا، يمكن ان يحصل على عدد اقل من مجالس الجهات والعمالات والبلديات على الصعيد الوطني؛ يتيح ذلك نظام الاقتراع المختلط وطبيعة التحالفات الخارجة عن منطق حزبي جامد وحسابات صماء.وضع تستفيد من سلبياته وايجابياته كل التكتلات الحزبية .
طبعا،لا يوجد ما يحول منطقيا، دون ظفر الاستقلال وكذا غيره بأكبر عدد من الأصوات دون ان يترجم ذلك بكيفية آلية الى المرتبة الأولى بخصوص عدد المقاعد.
وفي هذا السياق تجدر الإشارة، الى ان نفس المنطق ينسحب على الانتخابات التشريعية، وفق نمط الاقتراع النسبي، ولذلك كان حريا بزعيم حزب الاستقلال ان يوضح ما المقصود بالمرتبة الاولى:هل العدد الإجمالي من الأصوات التي وضعها الناخبون باسمه في الصناديق ام ترجمتها الى مقاعد؟.
هذا “الالتباس” قد يشكل طوق نجاة للسيد شباط، من الإحراج الذاتي الذي وضع، شباط، نفسه فيه.
وفي جميع الحالات فانه سينازع هو وغيره في نتيجة الاقتراع ورفضها بأعلى الأصوات، وسيوجهون الاتهام بالغش والتزوير الى ذات الأطراف والجهات، وهي كثيرة متلونة مثل “البكتيريا”غزت المشهد السياسي المغربي منذ عقود، لم تقض عليها المبيدات والمضادات الحيوية.
لا يعرف، كم ستاخذ من الوقت عمليات الطعن في النتائج ،علما ان المجال بات ضيقا أمام حزب “الشكاكين” بالنظر الى حياد السلطة من جهة وحيث ستجرى عمليات الاقتراع محاطة باكبر قدر من إجراءات وتدابير النزاهة والمراقبة المحكمة، من لدن المنظمات المعنية، داخلية وخارجية. ومن شأن ذلك الحد الى اكبر مدى، من حدوث تلاعبات.
وفي جميع الأحوال، لا بد من الاعتراف للسيد شباط، بفضيلة وجرأة التزامه السياسي والأخلاقي، لا سيما اذا تقيد به ونفذه؛على أمل ان يقتدي القادة الحزبيون، بسلوك بات طبيعيا في المجتمعات الديموقراطية المتقدمة. فكلما تنافست الزعامات والقدرات الحزبية الحاملة للبرامج الناجعة، إلا وازدهر الحقل السياسي، وبات متاحا أمام كل القدرات؛ بصرف النظر عن أصلها ومحتدها المجتمعي وانتمائها المكاني.
تلك هي الخطوة اللازمة في مسار التحديث الذي ينشده المغرب ويجب ان يصبح قناعة مشتركة بين النخب الحزبية والمدنية الحالية، تؤسس له بالأقوال والأفعال.
نال الزعيم “شباط” قصب السبق بالتزامه، وسيحسب له ان كان صادقا، وقد سيصبح”بطلا” إن مضى بعيدا في تعهده!!