الرئيسية / وجهات نظر / كيف يحصّن محمد السادس المغرب
خير-الله

كيف يحصّن محمد السادس المغرب

في منطقة تشهد دولها كلّ انواع الإضطرابات، في منطقة باتت فيها وحدة الأراضي لدول معيّنة، على رأسها ليبيا، مهددة، ليس امام المغرب سوى أن يحصّن نفسه. تتم عملية تحصين المغرب على غير صعيد. تشمل العملية الداخل والخارج في الوقت نفسه.
هذا يعني في طبيعة الحال، على الصعيد الداخلي، العمل على تطوير الإصلاحات التي بدأ تطبيقها مع اقرار دستور جديد في استفتاء شعبي واجراء انتخابات تشريعية في العام 2011. اسفرت هذه الإنتخابات بين ما اسفرت عنه عن حلول حزب العدالة والتنمية في المرتبة الأولى وتكليف زعيمه عبد الإله بنكيران تشكيل الحكومة.
ابتداء من العام 2011، دخل المغرب مرحلة جديدة وذلك في ضوء الخطاب المهم، ذي الطابع التأسيسي، الذي القاه الملك محمّد السادس في شهر آذار ـ مارس من تلك السنة.

المزيد: نص الخطاب الملكي كاملا بمناسبة الذكرى62 لثورة الملك والشعب

هناك في المغرب احزاب سياسية عريقة. جاء الدستور الجديد ليشكل اطارا لممارسة اللعبة الديموقراطية ومساعدة الأحزاب على تطوير نفسها من جهة وكي تلعب دورا محددا في مجال تقدّم الحياة السياسية في البلد من جهة أخرى.
كان الخطاب الذي القاه العاهل المغربي قبل أيّام، في الذكرى الثانية والستين لـ”ثورة الملك والشعب” وهي ثورة الملك محمّد الخامس، رحمه الله، والشعب المغربي على المستعمر الفرنسي، لتأكيد أن عملية تحصين المغرب مستمرّة. على المواطن المغربي لعب دوره في ممارسة مسؤولياته في كلّ مناسبة انتخابية. هذه رسالة محمّد السادس إلى مواطنيه. على المواطن تحمّل مسؤولياته واستيعاب ما الذي يعنيه دخول المغرب مرحلة سياسية جديدة على الصعيد الداخلي. لذلك، توجب على الملك دعوة مواطنيه إلى حسن اختيار مرشحيهم في الإنتخابات المحلية يوم الرابع من ايلول ـ سبتمبر. اكد للمغاربة أنّ “هذه الإنتخابات حاسمة لمستقبل المغرب في اطار ثورة جديدة”. نعم، هناك ثورة جديدة انطلاقا من الإنتخابات المحلية التي تسمّى في المغرب الإنتخابات “الجهوية”. هذه الإنتخابات يجب أن لا يكون فيها التصويت “لفائدة المرشح الذي يكثر الكلام ويرفع صوته اكثر من الآخرين بشعارات فارغة، أو لمن يقدّم بعض الدراهم خلال الفترات الإنتخابية ويبيع الوعود الكاذبة للمواطنين”، على حدّ تعبير العاهل المغربي.

المزيد: روبورتاج.. الباكوري: سنعمل على احتلال المرتبة الأولى في الإنتخابات المقبلة

كان خطاب محمد السادس بمثابة خطاب توعية للمرحلة الجديدة التي يمرّ فيها المغرب. هناك ثلاثون حزبا يخوضون الإنتخابات المحلية. يتنافس ممثلو الأحزاب على اكثر من 31 ألف مقعد. كان الملك محمد السادس دقيقا في افهام مواطنيه أن ممثلي المجالس الجهوية (المحلية) مسؤولون عن الخدمات الحياتية التي يحتاجها المواطن، فيما على نواب البرلمان الإهتمام بشؤون أخرى. هناك محاولة من العاهل المغربي لتوعية المواطنين إلى أهمية الإنتخابات المحلية. لذلك كان عدد الذين سجلوا انفسهم للمشاركة في الإنتخابات المحلية كبيرا مقارنة مع ما كانت عليه الأمور في الماضي.
يظل أنّ أهم ما نبّه إليه محمّد السادس هو وظيفة عضو مجلس النواب. قال صراحة أنّ “على العكس مما يعتقده البعض، فإنّ المنتخب البرلماني لا علاقة له بتدبير الشوون المحلّية للمواطنين. فهو مسؤول عن اقتراح القوانين والتصويت عليها ومناقشتها مراقبة عمل الحكومة وتقييم السياسات العمومية”.
لا بدّ من تصحيح مفاهيم كثيرة لدى المغاربة بغية ضبط الحياة السياسية بما يتلاءم مع الإصلاحات. الإصلاحات عملية مستمرّة، وليست موسمية، يتابعها بدقة العاهل المغربي الحريص على تحصين المغرب من داخل. لا يعني ذلك بأي شكل تناسي التهديدات الخارجية أو تلك النابعة عن التطرف، أيّا يكن مصدره.
هناك وعي مغربي لأن تحصين الوضع الداخلي يترافق مع الحرب على الإرهاب بكلّ اشكاله. لذلك أكد محمّد السادس أنّه على الرغم من انخراط المغرب في الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب والتطرّف، إلّا أن المملكة لا تزال تواجه تهديدات الجماعات المتشدّدة والتنظيمات الجهادية. اشار إلى أنّ ذلك دفع السلطات إلى اتخاذ اجراءات وقائية لتأمين الحدود وضمان استقرار المغرب.
اتخذ المغرب بعض الإجراءات المطلوبة من أجل حماية امنه، بما في ذلك التحذير من أي تدخلات خارجية تستهدف المساس بالمذهب المالكي الذي يجمع بين المغاربة، وذلك عن طريق دفع مواطنين إلى تغيير دينهم أو مذهبهم. اضافة إلى ذلك، كان محمّد السادس واضحا في تأكيد أن فرض التأشيرة على السوريين والليبيين “قرار سيادي” مشيرا إلى أن هذا القرار “ليس موجّها ضدّ أحد، ولا ينبغي أنّه تصرّف غير أخوي تجاههم”، أي تجاه السوريين والليبيين.
يمتلك العاهل المغربي من الشعور الإنساني أوّلا ما يجعله يفسّر ما ليس في حاجة إلى تفسير أي قوله أنّه “بصفتي المؤتمن على أمن البلاد واستقرارها، لن اسمح بأيّ تهاون أو تلاعب في حماية المغرب والمغاربة”.
في مثل هذه الظروف الصعبة والمعقّدة التي تمرّ بها كلّ المنطقة العربية كلّها، بما في ذلك منطقة شمال افريقيا، يجد المغرب نفسه في موقع فريد من نوعه، بل يجد نفسه وحيدا. عليه تحصين وضعه الداخلي وعليه المشاركة في الحرب على الإرهاب التي تهدّد كل دول المنطقة، بما في ذلك الجزائر وليبيا وتونس.
المؤسف أن الجزائر التي يفترض أن تكون شريكا في الحرب على الإرهاب، لا ترى فائدة من أي تعاون اقليمي في هذا الشأن. على العكس من ذلك، ترى ضرورة في محاربة الإرهاب داخل الأراضي الجزائرية وترى في الوقت نفسه أنّ في الإمكان الإستفادة من الإرهاب متى كان خارج الجزائر. ترى الجزائر أن كلّ ما يمكن أن يصبّ في الإساءة إلى المغرب مفيد لها… حتى لو أدّى ذلك في نهاية المطاف إلى الإساءة اليها. وهذا يشمل في طبيعة الحال قضية الصحراء المغربية التي لا هدف من الإستثمار فيها، عبر مجموعة مسماة “بوليساريو” سوى استنزاف الإقتصاد المغربي.
في كلّ الأحوال، لا مجال لإيقاف مسيرة القافلة المغربية. تسير القافلة نحو شاطئ الأمان برعاية محمّد السادس الذي لا يرى عيبا في القول أن هناك نواقص في بلده وأن لا بدّ من السعي إلى سد هذه النواقص. الملفت في كل الخطابات التي يوجهها الملك إلى مواطنيه أنّه صادق معهم وأنّه لا يمكن أن يغض النظر عن أي تقصير في أي مجال كان. لذلك، لم يجد عيبا في التطرق في خطاب “عيد العرش”، اواخر الشهر الماضي، إلى البرامج التربوية وإلى اهمّية تعلّم اللغات الأجنبية. إنّه بالفعل ملك من دون عقد… ما دام الهدف النهائي خدمة المغرب والمغاربة.

*صحفي لبناني/”ايلاف”