الرئيسية / وجهات نظر / هل الدولة التونسية مهدّدة بالتفكك؟
حسونة المصباحي

هل الدولة التونسية مهدّدة بالتفكك؟

لم تعد العديد من الشخصيّات السياسية الكبيرة التي ساهمت مساهمة فعّالة في توطيد دعائم الدولة التونسية خلال العقود الثلاثة التي أعقبت الإستقلال، وذلك انطلاقا من المسؤوليّات التي أنيطت بعهدتها في مراحل مختلفة تخفي قلقها ازاء ما يهدد الأمن والإستقرار في تونس على مدى الخمسة أعوام الماضية.
والسيد الطاهر بالخوجه الذي كان وزيرا للداخلية في نظام الحبيب بورقيبة، والذي تقلد العديد من المناصب الرفيعة خلال العقود الثلاثة التي تلت الاستقلال واحد من هذه الشخصيات.

المزيد: “الإسلاميون” يتهمون إرث بورقيبة وبن علي بتفريخ التطرف والإرهاب

ومنذ سقوط نظام زين العابدين بن علي، لم ينقطع بالخوجة عن الإدلاء بتصريحات وببيانات لمختلف وسائل الإعلام المسموعة والمرئية لتوضيح وجهات نظره في الأحداث التي تعيشها تونس راهنا، مشيرا الى المخاطر الجسيمة التي تهدد أمنها واستقرارها، وعلاقاتها مع دول الجوار ومع الدول العربية والإسلامية ومع دول الاتحاد الأوروبي ومع الولايات المتحدة الأميركية وبقية دول العالم.
في لقاء شخصي معه، قال لي وقد بدت على ملامحه ظلال هواجس سوداء: “الشيء الذي أخشاه أكثر من أيّ شيء آخر هو تفكك الدولة التي أنشأتها النخب السياسية التونسية بقيادة بورقيبة بعد نيل تونس إستقلالها عام 1956. تلك الدولة التي ضمنت للتونسيين جميعا الأمن والإستقرار والوحدة الوطنية، وساعدتهم في فترات عصيبة على مواجهة المحن، والمخاطر الجسيمة”.
وأضاف “اما اليوم فأرى كرجل خبر السياسة، وعايش عن قرب بناء الدولة الوطنية، وترسيخ أسسها، أن هذه الدولة مهددة بالتفكك كما سبق وأن ذكرت. والسبب في ذلك يعود الى عوامل عدّة. غير أني أعتبر أن المسؤول الأول عن هذه المصيبة هم أولئك الذين انتصبوا حكّاما لتونس بعد انهيار نظام بن علي، أعني بذلك حكومة الترويكا التي سيطرت عليها حركة النهضة. أما الحزبان الآخران فقد كانا مجرد ديكور. وكما أبرز الواقع ذلك، أعتقد أن حركة النهضة هي المتحكمة في اللعبة في تلك الفترة، وهي التي فرضت رأيها ومفهومها على الذين يتقاسمون معها السلطة. وهي التي سعت بكلّ الطرق والوسائل لمحو كلّ ما يرمز للدولة التونسية. لذلك رأينا قادتها يتصرفون في غالب الأحيان وكأنهم غير معنيين بالنشيد الوطني، وبالعلم الوطني، وبالأعياد الوطنية بما في ذلك عيد الإستقلال وعيد الجمهورية”.
وقال “أنا أعتقد أيضا أن حركة النهضة سعت أيضا إلى فرض رؤيتها السياسية والإيديولوجية في الدستور حتى تستكمل إحكام قبضتها على أجهزة الدولة التي وضعت على رأسها الموالين لها. وهذا أمر في غاية الخطورة. والأمرالثاني الذي لاحظته هو الإستهانة بالدولة التي أصبح يظهرها قسم من الشعب، والفوضى التي تفشت في جميع أنحاء البلاد، وانعدام الامن، والعديد من المظاهر الأخرى التي تدلّ على أن الدولة باتت مهددة فعلا بالتفكك كما حدث في بلدان أخرى من بلدان العالم الثالث”.

المزيد: حركة النهضة التونسية..من بداية تأسيسها إلى ما بعد سقوط نظام بنعلي

بعد العملية الارهابية االتي استهدفت أحد الفنادق السياحية الرفيعة في مدينة سوسة أول الصيف، لم يتردد الرئيس الباجي قائد السبسي في القول بإن الدولة التي ضحّت أجيال وأجيال من أجل بنائها على أسس صلبة باتت مهددة بالإنقراض والتفتت. ولم يكن دليله في ذلك العمليات الارهابية فقط وإنما الإضرابات التي أصحبت يوميه في القطاعات الحيوية، والتي شلّت الحركة الاقتصادية خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2015.
وما بات واضحا للجميع هو أن الاتحاد العام التونسي للشغل الذي تدفقت الى اجهزته ومؤسساته عناصر يسارية متطرفة ومناصرون لحركة النهضة وحزب المؤتمر الذي يرأسه المنصف المرزوقي لعب دورا خطيرا في تأجيج الاحتجاجات والإضرابات العشوائية التي ترفع خلالها مطالب غالبا ما تكون صعبة التحقيق في ظروف بات فيها الاقتصاد التونسي على وشك الانهيار. وقد عمدت بعض الأحزاب المتطرفة الى اذكاء النعرات العشائرية والقبلية في الجنوب التونسي محرضة أنصارها في السر وفي العلن على تخريب وحرق كل ما يرمز الى هيبة الدولة من مراكز أمنية ومؤسسات تعليمية واقتصادية ومالية وغيرها.
وقد اعتبر الرئيس السبسي أن الهدف الأساسي من مثل هذه الأعمال التي نعتها بـ “الاجرامية” هو استهداف الدولة لتفكيكها وتمزيق أوصالها مثلما حدث في افغانستان والصومال والعراق وغيرها من الدول التي غرقت في الفوضى والعنف.
اما الامر الاخر فيتمثل في ما أصبح يسمى بـ”الأمن الموازي”، والذي ثبت تورطه في تسهيل دخول الأسلحة، وإشاعة الارهاب، وتمكين الجماعات الارهابية من تنفيذ أعمالها بكامل اليسر. والشيء المؤكد أن “الأمن الموازي” ظهر في الفترة التي حكمت فيها النهضة.
وكان الهدف منه إضعاف الأجهزة الأمنية، وتقليص القدرات الكبيرة التي كانت تتمتع بها في عهد بن علي خصوصا في مجال مكافحة الارهاب والتصدي للضالعين فيه.
كما اثبت أن الأمن الموازي يتعاون مع المهربين خصوصا على الحدود مع ليبيا، مبيحا لهم المساهمة الفعلية في تخريب الاقتصاد الوطني، وتعميم الفساد والرشوة ولا تزال الحكومة الجديدة التي يرأسها الحبيب الصيد تواجه صعوبة كبيرة في التخلص من “الأمن الموازي”، وكلما قامت بعمل ما في مثل هذا الاتجاه، حَرّكت “النهضة” بنادقها لتشرع في التنديد بما تسميه “اجراءات قمعية وتعسفية”.
وإذا لم تتمكن الحكومة الحالية من تطهير وزارة الداخلية من العناصر التي تعمل لصالح أحزاب وتنظيمات متطرفة، فإن خطر تفككك الدولة التونسية يظل قائما!
وثمة مخاطر أخرى قد تؤدي الى تفكك الدولة التونسية منها مثلا ضمور الشعور الوطني لدى قسم كبير من التونسيين الذين أصبحوا يحرصون في مثل هذه الاوقات العسيرة على البحث عن حلول عاجلة لمشاكلهم ومتاعبهم الخاصة تاركين وطنهم لمهب الرياح.
كما أن الأحزاب التي احتلت المشهد السياسي خلال الخمس سنوات الماضية تولي اهمية كبيرة لمصالحها المحدودة والضيقة بحيث يصبح الولاء للحزب أقوى من الولاء للوطن.
وهذا ما نعاينه في ممارسات وخطب جماعة النهضة وحزب المؤتمر والجبهة الشعبية التي يقودها حمة الهمامي الشيوعي المتطرف الملقب بـ”السيد لا” بسبب سلبيته الدائمة والمطلقة مخيرا في كل الظروف والأحوال أن ينتصب فوق الربوة ليحاكم الجميع من دون أن يقدم ما يمكن أن يقنع التونسيين بأنه يمتلك برنامجا سياسيا واضح المعالم يحتوي على تصورات وحلول للمشاكل والأزمات التي تتفاقم يوما بعد آخر.

*كاتب تونسي/مجلة “الخليج”