الرئيسية / وجهات نظر / المعارضة تمتحن نفسها
6ccb30d0701fcdce981ce712b7f494ea

المعارضة تمتحن نفسها

لم يكن هناك فراغ. بمجرد انتهاء الاقتراع، أعيدت الصناديق الزجاجية إلى مخابئها. فقد تميزت الساعات الأولى التي أعقبت الفرز بصعود أكثر من فريق إلى المنصة. فريق يحتفل بنصر كان يحضر له، وفريق يحتفل بنسبة المقاطعة الكبيرة، وفريق ثالث يصرخ بأعلى صوته منددا بتزوير معمم.
ووسط هذا التنابز، ربما كانت هناك إرادة متخفية، أرادت استغلال احتفالات الربيع الأمازيغي، ليغطي على حديث بدأ ساخنا عن تزوير انتخابي.  
ما يمكن تسجيله أن الفارق بين الفرق المتنافسة كبير. ويقاس بإرادة كل فريق للوصول إلى هدفه. وواضح أن فريق السلطة قوي بعزيمته. تجاوز عقبات ربما من أهمها إدارة ضعف الإقبال على تجمعاته. وعرف كيف ينحرف باتجاه الخطاب الانتخابي، مورطا أحيانا منافسيه في تناول قضايا ليست بذات أولوية. نجح في جعل من ترشح الرئيس بوتفليقة قضية، ومن سؤال هل الرئيس قادر على تنشيط الحملة قضية، ثم هل سيصوت بنفسه. والآن يريدون إقحامنا في تخمينات عن كيفية أدائه القسم.
فهل احترم الرئيس نص القسم يوم قرر تعديل الدستور عام 2008؟
لم يكن الانحراف بالحملة عبثيا. كان مقصودا الابتعاد عن التركيز على طبيعة ما يراد تغييره، وكان القصد أيضا جعل قضية مراقبة الانتخابات أمرا تقنيا. والمتتبع لما جاء في وعود ممثلي الرئيس لا يعثر على أفكار محددة، فقط على وعود. وربما ما يسطع أمام وجه المتابعين أن مسألة تعديل الدستور لا يلم بها من نشط حملة الرئيس. يتفقون على وجود وثيقة لدى الرئاسة، ويتفقون على أنهم لا يعلمون تفاصيلها. فإذا كان الرئيس لا يشرك من نشط الحملة، وهم وزراء ورؤساء أحزاب مساندة له، فكيف سيتعامل مع ”الآخر” من الأحزاب والشخصيات في مسألة تعديل الدستور؟
أغلب الظن سيقحمهم في سياق ما جرت عليه العادة أن تكون عليه المشاورات. وربما يكلف الاختصاصي في المشاورات المسدودة مسبقا، السيد عبد القادر بن صالح بمعية فريقه من الخبراء في تنشيط جولات جديدة تملأ بها قنوات التلفزيون الفراغ السياسي.
هذا احتمال. الاحتمال الثاني أن يقرر الرئيس مجموعة قرارات تدفع المعارضة والشخصيات الوطنية إلى عدم تلبية الدعوة للمشاورات. فيقوم الرئيس بإصدار بيان يقرأه قارئ، يشهد فيه الشعب الجزائري على ما حدث. يتبعه قرار يكلف به مصالحه بتمرير الوثيقة على البرلمان الموافق مسبقا.
لقد جاءت الحملة بوعود عن ”حريات أكثر”. تخيلنا في لحظة إغفاء أننا لن نسمع بجزائري سيسجن لأنه كتب ما يغضب الرئيس. أو رسم  رسما كاريكاتوريا للرئيس. أو هذا ما  أراد محيطه تسويقه عن تلك الأفكار، حين تحدثوا عن دولة القانون. وكشفت أحداث تيزي وزو أن أيام الحملة كانت لحملة. وأن أيام الحكم هي العصا والجزرة.
هي تخمينات لكنها مستوحاة من تاريخنا وعاداتنا السياسية. عشنا في ظل نظام جلده من جلد الحرباء. كانت في مراحل محددة بعض النوايا الحسنة عند رؤساء تعاقبوا على الجزائر لجعل البلد يزدهر بأبنائه. لكنهم سقطوا في فخ الخلافات الشخصية، واعتمدوا على طريق الإجماع المبني على الإقصاء.
ليس لمن يعمل في السياسة أن يختار الصمت، بحجة الالتزام بـ«واجب التحفظ”. هي كذبة من أكاذيب من ساهم في البناء المعوج. هؤلاء اختاروا ”مهنة التحفظ” تهربا من واجب الدفاع عن قيم الجمهورية. فواجب التحفظ في هذه الحالات يكون صالحا من يوم مماتهم، ليتم نقشه على الشاهد الذي يوضع على قبورهم، حتى تتمكن الأجيال القادمة من وزن مواقف هؤلاء وأولئك من مشروع بناء دولة القانون.
”الجزائر إلى أين؟”
إن حال البلد من حال ذات مربوطة بحبل إلى عمود. حبل لا هو طويل يمكن تلك الذات من الركض، ولا هو قصير يقعدها على شعور بألم الضعف عن القدرة على التغيير. إنه حال يغرينا بقدرة على فك قيود الانهزام، من دون أن تكون لنا فعلا القدرة على ذلك. ومخاطر العنف والانزلاق الذي ”يهددنا به” بعض الساسة ليس مصدره الرغبة في التغيير، وإنما في رفضه، وفي طريقة فتح أبواب المشاركة أمام الجزائريين في صياغة دستورهم.
قد تكون الأحزاب المعارضة أمام فرصة لأداء وظيفتها، كما هو منتظر منها. أي ”الاتفاق” على صياغة مشروع لصيانة مستقبل الجزائر بالقانون. إلا أن فشلها وإن حدث، سيكون كارثيا عليها، لأن الذين تراودهم فكرة ”المواطنة” لا يمكنهم  الخلود إلى نومة ”واجب التحفظ”. أو انتظار انتهاء صراع الإخوة على زعامة لا تمنحها وظيفة ولا منصب، ولا تمنحها بدلة أو ربطة عنق. بل تمنحها مشاعر الاحترام العفوي والتقدير الخالص على مجهود لا يرمي صاحبه إلى كسب المال بالسياسة أو شراء الهيبة بمال مغشوش.
لقد بدأت العهدة الرابعة بعنوانها الحقيقي، مزيد من التضييق والحبس لمن ينشر صورة تفضح سلوك الحكم.
كان يفترض أن تعبر النسبة الضخمة المعلن عنها لصالح الرئيس المنتخب (أكثر من ثمانين بالمائة) عن هدنة اجتماعية، لمدة سنة على الأقل، لا يكون فيها لا إضراب ولا احتجاجات، لأن مثل تلك الأرقام متى كانت تعبر بصدق عن النتيجة، قادرة على توفير الصبر على تحقيق الوعود..
“الخبر” الجزائرية