الرئيسية / وجهات نظر / انتخاب العجز عجز الانتخاب
3dc2544c934ef7d30f24944cf2b0f793

انتخاب العجز عجز الانتخاب

التصويت الشعبي أدى إلى انتخاب العجز في الجزائر، في مغرب الأمة العربية. وفي لبنان عجزت الطبقة السياسية عن انتخاب الرئيس في مشرق الأمة. في الجزائر نفط كثير وفقر كثير وهجرة متفاقمة؛ وهناك حافظت فرنسا على هيمنتها بعد ثورة المليون ونصف المليون شهيد، وهنا حافظت فرنسا على هيمنتها، وهنا وعود نفط كثيرة، وفقر وهجرة منذ زمن طويل.
الفوائض المالية في البلدين كثيرة، هي مودعة إما في المصارف أو في الخارج. تلبية مطالب الشعب أمر تفتخر كل من الطبقتين السياسيتين بعدم إنجازه. البرلمان اللبناني مرّر بكل إباء قبل الانتخاب وبعد تشكيل الحكومة عدداً كبيراً من التشريعات ضد مصالح الفقراء. وخضع برلمانه لتهديدات المصارف. التنمية مفقودة أو متوقفة في كل من البلدين. الإمكانات موجودة، لكن القرار غائب. هذا هو العجز.
في الجزائر لا أحد يستطيع إقناع أحد أن مجتمعاً أكثرية سكانه الساحقة هي شباب دون الثلاثين ينتخبون رئيساً لا يستطيع الحركة إلا على عربة صحية يجرها قريب له. هو بالكاد استطاع تحريك يده لتوقيع «طلب» الترشح، أو أنه أمر بذلك.
المفارقة الكبرى في الجزائر أن جيل الرؤساء بعد ثورة المليون ونصف المليون شهيد، وبعد الاستقلال في العام 1962، ما زالوا يتوالدون أو يتوارثون العرش مرة بعد أخرى، فكأنه جيل واحد أبدي يحكم لبضعة أجيال. السائد في الجزائر ظاهرة «الحيطيين». هؤلاء شباب لا يجدون عملاً، يتجمعون في الشوارع والساحات، ويسندون الحيطان، ومن هنا جاء الاسم، بعضهم يؤخذ إلى فرنسا للعمل في أشغال يأنفها الفرنسيون، لكنها تشكل منفرجاً لهم، والباقون يبقون مع الحيطان.
أما في لبنان فإن كثيراً من النواب والوزراء تغيّرت أسماؤهم، أي أنهم من الجيل الجديد، لكنهم ورثة آبائهم في السياسة، وهؤلاء جميعاً يعملون تحت راية زعماء كانوا من أمراء الحرب الأهلية. وهؤلاء يورثون أبناءهم الأغرار زعامتهم ويدربونهم على ذلك. قطعان الطوائف في لبنان تستجيب لزعمائها. في الجزائر حدثت حرب أهلية طاحنة في التسعينيات، لكن الطبقة السياسية الحاكمة ما زالت هي التي تستأثر بالسلطة. مارست الاستبداد. انقطعت السياسة؛ ومنعت هذه الطبقة ظهور أجيال جديدة في السياسة. هذا أمر ممنوع.
الجزائر لم تلزمها الطائفية لإنتاج الحرب الأهلية الطاحنة في التسعينيات. هم جميعاً، تقريباً من حلة واحدة. لكن الحرب الأهلية كانت ضرورية من أجل منع الديموقراطية. الديموقراطية عندنا ممنوعة أصلاً بفضل طائفية عميقة الانغراز في مجتمعنا. المفارقة هي أن هذه الطائفية هي أساس كل الحريات عندنا. ما أسوأ الحال عندما تكون الطائفية مانعة للديموقراطية وأساساً للحرية، ما دامت أساساً لتمتين سلطة الطبقة الحاكمة السياسية ـ المصرفية.
بعد أن امتلأت ميادين الأمة بالجماهير لإنهاء عهود الاستبداد والإعلان عن الإرادة والعزم، يقال لنا إن الثورة نوع من الهبل. كيف لا تكون كذلك عندما تنتج العجز، وهي تنتج حكم العسكر في أقطار عربية أخرى. يقال لنا إن خيار الحرية غير متاح للعرب، وأن إرادة الحرية نوع من العبثية، وإذا اعترضنا فالعسكر موجودون للتأكيد على أن اعتراضنا سوف يذهب هباء.
نحن مجتمعات عربية درج «إنكار المؤامرة» فيها، خاصة لدى المثقفين المشككين أو الكوزموبوليتيين. كلما تحدث أحد عن مؤامرة يشار إليه بإصبع الاتهام؛ اتهام بالجهل أو معاداة الإمبريالية، أو اعتقاد زائد بالعروبة. الإمبريالية لم تعد موجودة بنظرهم؛ والعروبة أضغاث أحلام، بنظرهم أيضاً. يراد أن يقال لنا إن ثقافتنا الموروثة لا تؤهلنا للحرية والتقدم، وأن حاضرنا هو ما نستحق. لكن الجماهير في الميادين تؤكد غير ذلك. لا يأبهون للجماهير. بعض القمع أو كثيره يعيد الجماهير إلى بيوتها.
هي مواجهة بين الشعوب العربية وسادتها. السادة هم الطبقات الرفيعة ومن يقف وراءها من قوى أجنبية كبرى، غربية أو مجاورة. ألا يقول أهل الإعلام عندنا إن الفراغ الرئاسي لا يخيفنا ما دامت الدول الكبرى سوف تجتمع وتعطي أوامر لسد الفراغ؟ ألا يعني ذلك أن الأنظمة العربية، ومنها لبنان والجزائر، فاقدة الشرعية التي لا تستمد ولا تنبع إلا من شعوبها؟
سوف يندم هؤلاء جميعاً عندما يعود الانفجار الكبير، كالذي حصل في العام 2011. ما زال العجز أداة السلطة في البلدان العربية. ليس القمع والاستبداد سوى بعض أشكال العجز. سوف تنتصر إرادة الشعوب بالإطاحة بهؤلاء وبالإتيان إلى السلطة بأهل الإنجاز.
العجز حل مؤقت. الإنجاز حل دائم.
“الدستور”