الرئيسية / وجهات نظر / الجيوش العربية نعمة أم نقمة؟
4d3cd33ab5a509d533d1dbbeaa290abb

الجيوش العربية نعمة أم نقمة؟

تمثل الجيوش في وضعها الطبيعي حصنا للأمة ودرعا لمواجهة المخاطر والتحديات، وبذلك تكتسب أهمية بالغة في الوجدان الشعبي، بوصفها أداة عزة، ووسيلة لحفظ البيضة وصيانة الكرامة.
وتحتفي الأمم والشعوب بالجيوش التي ترتكز عقيدتها العسكرية على قيم الشجاعة والنجدة والعزة والتضحية بالغالي والنفيس من أجل الوطن والمواطن، وجيوش من هذا الطراز تستحق كل ما يبذل من أجل الرفع من معنوياتها، وتمكينها من كل مقومات التفوق والانتصار، حتى تؤدي المهمة النبيلة المنوطة بها على أكمل وجه.
ولكن حين تنحرف عن ذلك المسار تفتقد كل مسوغ لوجودها، وتصبح عبئا مرهقا وكَلا ثقيلا، وضمن هذا الفريق “العبء والكل” تصنف أغلب الجيوش العربية، فلا حصر لما سببته هذه الجيوش بـ”عقدائها وجنرالاتها ومشيريها” للشعوب العربية من معاناة وألم.
ولا يعلم إلا الله وحده كم أيمت من أرامل، ويتمت من أبناء، وفجعت من ثكالى، تلك حقيقة مزعجة، وواقع مرير اكتوت به أغلب الشعوب العربية.
وانطلاقا من ذلك، يكون من الوارد أن نطالب بحل هذه الجيوش، ونكتفي بقوات شرطة تسهر على الأمن والسكينة، والمطلب موضوعي ووارد، وقد تبنته دول عديدة، فكان حل الجيوش لها عامل سكينة واستقرار وتنمية ناجحة، فكوستاريكا دستورها يمنع إنشاء جيش، والدومنيكان حلت جيشها عام 1981 بعد أن قام بمحاولة انقلابية، وهايتي حلت جيشها عام 1995، وحلت بنما جيشها عام 1990، وعاشت هذه الدول في وئام تام وأمن مجتمعي، والمبالغ الباهظة التي كانت تصرف لشراء الأسلحة وآلات القمع والعسف، تم صرفها لتنمية الإنسان ومكافحة الفقر والتهميش ورفع المعاناة عن الملهوفين والمحتاجين.
وحين نستعرض جوانب من سلوكيات وممارسات بعض الجيوش العربية سنصل إلى نتيجة مؤداها أن حلها يعتبر عملا وطنيا مخلصا، وسلوكا حضاريا راقيا.
ومما يبرهن على أن ما يصرف على الجيوش العربية من مبالغ هائلة هو خسارة بكل المعايير:
1- أنها منذ أربعين سنة لم تحقق أي انتصار، وقضية العرب التي كانوا يصنفونها على أنها قضيتهم الأولى خسروها بدرجة لم يكن يطمح إليها الخصم، وبقيت إسرائيل متفوقة علميا وعسكريا واقتصاديا رغم ما تعانيه من شحّ في الموارد الطبيعية، ومع وجودها في منطقة حبلى بالمفاجآت، وبقي العرب بجيوشهم القمعية في مؤخرة الركب كما يريد لهم “انقلابيوهم” الطغاة المستبدون.
2- أن العرب رغم إنفاقهم العسكري الهائل، لم يحققوا من القوة ما يناسب إنفاقهم على برامج التسلح، وبينما ترتقي الأمم المجاورة كالفرس والترك إلى مصافّ الدول المتقدمة يتراجع العرب إلى الخلف، وترتفع معدلات الجهل والأمية، وتتفشى الأمراض، ويستشري واقع التضعضع والتفكك، وضياع القرار السياسي.
ومن مظاهر الانهيار المعنوي في العالم العربي أن العربي لا يستأسد إلا على شقيقه، فحين تحدث مشادة أو اختلاف في فهم بسيط مع بعض الأشقاء نرى القوي منهم يستحضر كل عوامل قوته وإمكاناته العسكرية والاقتصادية، ولكن حينما يكون الخلاف مع خصم ند تتغير المعادلة ويختلف السلوك فلا مجال هنا للتباهي أو الاستعراض.
3- أن الجيوش العربية -في الغالب- أصبحت أكبر عائق في طريق نشر قيم الديمقراطية والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
وباستعراضنا سلوكيات بعض الجيوش العربية يتجلى لنا حجم الأضرار التي ألحقها العسكر بالشعوب، وحجم الجرائم التي ارتكبوها والعسف الذي مارسوه، ونتناول باقتضاب سلوك خمسة من الجيوش العربية “الباسلة”: ثلاثة من المشرق العربي واثنان من المغرب العربي:
• الجيش السوري: وهو إلى جانب ما مارس من عسف وظلم ومصادرة للحريات، ارتكب أيام الرئيس حافظ الأسد مجزرة فظيعة راح ضحيتها عشرات الآلاف من المواطنين السوريين في مدينة حماه في الثاني من فبراير/شباط عام 1982.
وكان قائد تلك الحملة العسكرية العقيد رفعت الأسد شقيق الرئيس حافظ الأسد، ولا يماري أحد في ما يمارسه بشار الأسد من فظائع وقصف بالسلاح الكيميائي، وبالبراميل المتفجرة هذه الأيام ضد مواطنيه الطامحين إلى حياة العزة والكرامة.
• الجيش العراقي: مارس فظائع خطيرة ضد الأكراد، وضد كل معارضي النظام، والآن ينخرط هذا الجيش في حرب طائفية وغير أخلاقية تستهدف المكون العربي السني خصوصا، وقد ارتكب فظائع خطيرة ضد المواطنين العراقيين، وأثناء كتابة هذه الأسطر يمارس قصفا عشوائيا متوحشا في الرمادي والفلوجة والأنبار، مخلفا أعدادا كبيرة من اللاجئين والنازحين الذين يعيشون ظروفا إنسانية حرجة.
• الجيش المصري: ظلت العقيدة الراسخة للقوات العسكرية وشبه العسكرية في مصر تتأسس على معطى ثابت هو أنها في خدمة الحاكم وليس الشعب، وحينما يخرج الشعب عن إرادة الحاكم يكون مصيره القمع المتوحش والقتل العشوائي بلا رحمة ولا رأفة.
ويعرف الجميع قصة “زوار الفجر” وسلوكهم الدامي، وقمعهم المتعسف، الذي عانت منه القوى السياسية أثناء حكم الضباط الأحرار، مما دفع الكاتب محمد حسنين هيكل إلى انتقاد سلوكهم، بالرغم من ولائه المطلق للرئيس جمال عبد الناصر ولحكم الضباط الأحرار.
ونلاحظ المجازر المتوحشة التي أقدم عليها الجيش المصري في مرحلة ما بعد انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013 بحق المتظاهرين السلميين في ميداني رابعة والنهضة وغيرهما، وما يمارسه من قمع، ومصادرة الحريات، وسجن تعسفي، وتحطيم منظومة القضاء من خلال إبعاد الشرفاء عن منصات الحكم وكراسي القرار، كل هذا يشي بأن وجود مثل هذا الجيش يمثل تهديدا لقيم الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة.
• الجيش الجزائري: كانت “العشرية السوداء” في الجزائر دموية ومرعبة، فقد اندلعت فيها الصراعات المسلحة بعد انقلاب الجيش على إرادة الشعب، مما أسفر عن مجازر مروعة، وأحداث أليمة بين العسكر الذين يرفضون تسليم الحكم للمنتخبين من جهة، وبين الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنتصرة في الانتخابات، وما انبثق عنها من حركات وجماعات من جهة أخرى.
• الجيش الليبي (الكتائب): ظل هذا الجيش الذراع الضاربة للعقيد معر القذافي، يستخدمه متى شاء وكيف شاء، للتنكيل بخصومه ومعارضي نظامه، ومن المجازر التي ارتكبها هذا الجيش: مجزرة سجن أبو سليم التي كانت من أخطر الفظائع، وقد نفذها يوم 29 يونيو/حزيران 1996، وفور اندلاع الثورة الشعبية ضد حكمه جابهها بجيشه وكتائبه مجابهة شرسة، مما ألب عليه الرأي العام الدولي المتربص به أصلا، بسبب سلوكه المتسم بالغرابة والتهور.
ولديّ يقين راسخ بأن جيش موريتانيا “البطل” ومغاويره “الأشداء” بشكله الحالي، وبالنظر إلى كونه أكثر الجيوش في العالم العربي انقلابا، وأكثرها انغماسا في حمأة السياسة، لو جاءت سلطة وطنية مخلصة وحلته فسيكون ذلك أكبر إنجاز تضيفه إلى رصيدها.
وهذا التحدي الذي يمثله العسكر في العالم العربي يفرض على الشعوب أن تناضل وتستميت لتحقيق واحد من هدفين:
1- الهدف الأول، حل هذه الجيوش بالنضال المسؤول والعمل السياسي الحصيف، حتى تتمكن الشعوب من استعادة حريتها وكرامتها وحقوقها المغتصبة من طرف عسكريين لا تسعفهم الخبرة، ولا عمق التجربة، ولا رصيد الإنجازات، بل ينحصر اهتمامهم في هواية ممارسة السلطة والنهب الممنهج لثروات الشعوب.
والسلوك الأسوأ الذي يمارسه العسكر هو تدمير المنظومة القيمية التي تؤطر السلوك والممارسة، وتشكل الوعي الجمعي، مما يرسخ النفاق السياسي ويجعله سلوكا مقبولا، بل مرغوبا، تقبل فيه تسمية كل شيء بضده: فالانقلاب ثورة، والسفاح بطل، والخائن مخلص بل “رسول من رسل الله”، ولا تقتصر أخطار الأحكام العسكرية على ذلك.
2- الهدف الثاني، إعادة بناء هذه الجيوش على قيم الجمهورية واحترام الحقوق المدنية، وعلى أن مهمتها حماية الشعوب وليس قهرها، والدفاع عنها وليست الهجوم عليها، وأنها لخدمة المواطن، وليست أداة يملكها قائد متهور أو ضابط مأفون.
وخلاصة القول: إن أغلب الجيوش العربية -بوضعها الحالي- لم تجلب للأمة إلا الهزائم أو العسف والاستبداد، وبالتالي فإنها تمثل عائقا خطيرا أمام طموح وتطلعات الشعوب للحرية والعدالة والديمقراطية، كما أن فشلها في ممارسة الحكم لا تقل فظاعته عن فظاعة فشلها في المجال العسكري الذي يفترض أن تقتصر عليه، وضاعف من آثار فشلها ما مارسته من عسف وظلم بحق الشعوب، وما واكب ذلك من نهب للثروات واستغلال للنفوذ.
ويبقى السؤال المطروح: هل تدرك النخب العسكرية في العالم العربي أن سلوكها لم يعد يتماشى مع واقع القرن الـ21، ومع مستوى الوعي الوطني للشعوب، وواقع الفضاء الكوني الذي تتفاعل معه تأثرا وتأثيرا، أم أن هذه النخب ستبقى سادرة في غيها، ماضية في انحرافها رغم ما يستدعيه ذلك من ثمن باهظ من دماء وأعراض وأموال الناس، وأقول في الختام للنخب العسكرية في عالمنا العربي: (أليس منكم رجل رشيد) (سورة هود الآية 78).
“الجزيرة”