الرئيسية / وجهات نظر / الجزائر‎‮ ‬بعد‮ ‬الانتخابات
c3978527e7a4fbbd1d56d17eea8dccce

الجزائر‎‮ ‬بعد‮ ‬الانتخابات

ربما لا يكون ممكناً فصل نتيجة الانتخابات الرئاسية الجزائرية التي أجريت الخميس الماضي عن الأوضاع التي ترتبت على التغيير في دول «الربيع العربي»، فقد أحيا اضطراب هذه الأوضاع ذكريات عقد التسعينيات المؤلمة لدى كثير من الجزائريين، لذلك صار استمرار رئيس أقعده المرض هو الخيار الأقل سوءاً. ولا تنطوي نتيجة الانتخابات، حين نقرأها بهذه الكيفية، على مفاجأة تبرر اعتقاد البعض بأن تزويراً ممنهجاً حدث فيها. فهذه انتخابات يوصف مثلها عادة بأنها محسومة سلفاً لأنها تجري في ظروف غير طبيعية، لكن ما يميزها عن غيرها من هذا النوع هو أن أهميتها تكمن فيما سيحدث بعدها.
لقد دخلت الجزائر مرحلة إعادة ترتيب أوضاع السلطة السياسية تمهيداً لخلافة بوتفليقة، سواء خلال ولايته الرابعة أو في نهايتها. ورغم أن الانتخابات كانت فرصة لإعادة ترتيب هذه الأوضاع بعد أن فقد بوتفليقة الكثير من قدرته على الحكم لإصابته بجلطة دماغية، فإن التوافق على خليفته لم ينضج بعد. فهذا التوافق يتطلب تفاهمات يبدو أن مؤسسات الدولة الأساسية قطعت شوطاً باتجاهها، لكنها لم تكتمل حتى الآن أو ربما تنتظر لمسات أخيرة إذا صح أن تولى كل من أحمد أويحيي وعبد العزيز بلخادم منصبين رفيعين في مؤسسة الرئاسة يوم 13 مارس الماضي يُعد مؤشراً على حدوث تقدم باتجاه هذا التوافق.
وربما يكون هذا التقدم هو الذي يوفر الاطمئنان لمؤسسات الدولة والقوى صاحبة المصالح في استمرار نظام الحكم الحالي الذي نجا من رياح ما أُطلق عليه «ربيع عربي» وقع بعض أهم أحداثه على حدود الجزائر. ولعل هذا يفسر عدم ظهور علامات تدل على قلق هذه القوى وتلك المؤسسات من بقاء بوتفليقة رئيساً لفترة رابعة رغم وضعه الصحي الذي يجعله غير قادر على الحركة.
وقد أقر بوتفليقة ضمنياً بصعوبة هذا الوضع في كلمته يوم تقديم أوراق ترشحه إلى المجلس الدستوري (22 مارس) عندما قال إن «الصعوبات الناجمة عن حالتي الصحية البدنية الراهنة لم تثنكم على ما يبدو عن الإصرار على تطويقي بثقتكم، وأراكم أبيتم إعفائي من أعباء المسؤوليات التي قوّضت ما قوّضت من قدراتي». ولم يكن حديثه هذا مفارقاً للواقع إلا على صعيد تفسيره قبول قطاع كبير من الجزائريين استمراره في قمة السلطة رغم حالته الصحية الحرجة. فلا علاقة لهذا التوجه الشعبي بما قاله في هذه الكلمة تفسيراً لتوقعه تجديد الثقة فيه: «أراكم راغبين في أن أبذل بقية ما تبقى لدي من قوة في استكمال إنجاز البرنامج الذي انتخبتموني من أجله المرة تلو الأخرى».
ورغم أن هؤلاء الذين تحدث إليهم وعنهم يذكرون له أنه الرجل الذي أنهى حرباً داخلية استمرت نحو عشر سنوات وأعاد السلم الأهلي، فالأرجح أنهم لا يطمحون إلى أكثر من استمرار هذا السلم وتجنب مثل تلك الحرب. لذلك يبدو حرص معظم الجزائريين على الاستقرار وخوفهم من حدوث أي اضطراب، وهم الذين لم تغب ويلات عشرية التسعينيات الدموية عن أذهانهم، هو العامل الأساسي وراء قبولهم استمرار بوتفليقة رغم حالته الصحية إلى أن تكتمل ترتيبات انتقال الموقع الأول في السلطة السياسية والتفاهمات المرتبطة بها.
كما أن أياً من منافسي بوتفليقة الخمسة لم ينجح في إقناع أغلبية الجزائريين بأن الوضع سيكون آمناً في حالة فوزه بدون التفاهمات اللازمة، سواء داخل المؤسسة العسكرية القوية التي تعتبر السند الرئيسي للنظام القائم، أو بينها وبين جهاز الاستخبارات. فقد كان واضحاً للجزائريين أن هذه التفاهمات لم تكتمل، وأن إحالة عدد من كبار ضباط جهاز الاستخبارات على التقاعد وسط اتهامات متبادلة بين هذا الجهاز وهيئة الأركان في فبراير الماضي ليست إلا خطوة على طريق إنضاج الوضع اللازم لبلوغها.
لذلك بدا أن فوز أي مرشح آخر ينطوي على مخاطرة كبيرة بأهم ما يحرص عليه الجزائريون وهو الأمن والسلم الأهلي. ولم يكن أقوى هؤلاء المرشحين، وهو علي بن فليس، استثناءً من هذه القاعدة العامة، رغم أنه لا يعتبر غريباً على مؤسسات الدولة الرئيسة بحكم أنه كان رئيساً للوزراء من قبل.
وإذ يبدو فوز بوتفليقة بولاية رابعة بداية فترة انتقالية من أجل استكمال التفاهمات بشأن خلافته، فقد أصبح السؤال مطروحاً بقوة فور إعلان نتيجتها يتعلق بما سيحدث بعدها.
وفي الإجابة على هذا السؤال يبدو مستبعداً احتمال إجراء إصلاحات سياسية تشتد الحاجة موضوعياً إليها، لكن الطلب الشعبي قليل عليها نتيجة الحصاد المر حتى الآن في دول «الربيع العربي». فهذا الحصاد يدعم خيار الاستقرار في الجزائر ويوفر له قبولا حتى إذا تم اختزاله في مجرد استمرار رئيس اشتد المرض عليه.
غير أن هذا الاستقرار سيظل على سطح صفيح ساخن إلى أن تكتمل التفاهمات داخل النظام وبين مؤسساته الأساسية. ورغم أن اكتمال هذه التفاهمات بمعزل عن أي إصلاح يبدو هو الأرجح حتى اللحظة الراهنة، يبقى احتمال البدء في إصلاح سياسي تدريجي وبطيء قائماً. ويرتبط هذا الاحتمال الثاني بالتعديل الدستوري المتوقع إجراؤه فور التوصل إلى التفاهمات النهائية لفتح الباب أمام انتقال قمة السلطة إلى رجل ثان يتم الاتفاق عليه في إطار هذه التفاهمات ويكون جاهزاً لإكمال فترة بوتفليقة في حالة وفاته قبل انتهائها.
وإذا صح أن عودة أحمد أويجي وعبد العزيز بلخادم إلى قصر المرادية الرئاسي يمثل جزءاً من هذه التفاهمات، فلن يكون مستبعداً تعيين أحدهما نائباً للرئيس أو تعيينهما نائبين على أن يكون أحدهما نائباً أول.
غير أن اقتران ترتيب عملية انتقال السلطة بالبدء في إصلاح سياسي لن يكون سهلا مهما اتسم بالبطء بسبب رسوخ المصالح الخاصة لكثير من أركان النظام، وخاصة إذا تضمن هذا الإصلاح ما يؤدي إلى الحد من الفساد وتعزيز استقلال النظام القضائي. لذلك يصعب توقع ارتباط اكتمال التفاهمات اللازمة لترتيب عملية انتقال السلطة بالبدء في إصلاح سياسي تدريجي إلا في حالة ضمان ألا يؤدي ذلك إلى زعزعة ركائز أساسية لنظام الحكم، وخاصة في ظل حالة شعبية يغلب عليها تفضيل الاستقرار على ما عداه وضعف تأثير قوى المعارضة التي تطالب بهذا الإصلاح، سواء التي خاضت الانتخابات أو التي قاطعتها.
وفي كل الأحوال، يبدو إنضاج التفاهمات الخاصة بانتقال السلطة الرئاسية هو أكثر ما ينتظره الجزائريون بعد انتخابات لم ينتظر معظمهم جديداً فيها.
“الاتحاد” الاماراتية