الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا على مسار التدخل الدولي
57bba13db34c85bd23438f4c59f1ccd3

ليبيا على مسار التدخل الدولي

أمر طبيعي عندما تتنافس الأزمات بعضها مع بعض في منطقة جغرافية واحدة أن تكون هناك أولويات، وهو ما يفسر الغياب المحير الدولي والإقليمي عما يمكن أن نسميه أزمة تكبر يوميا مثل كرة الثلج في ليبيا، ومسارها المرجح في حال إذا استمرت في نفس المسار فسيقودها إلى تدخل دولي.
لا أحد يجادل في أن نظام القذافي السابق مسؤول بدرجة كبيرة عن الحال التي وصلت إليها البلاد حاليا لأنه كما ظهر لم يكن حريصا على بناء مؤسسات دولة تستطيع أن تحفظ تماسكها في أوقات الأزمات، وحتى الجيش بناه على أساس كتائب أمنية لحماية النظام، وأهم الكتائب يقودها أبناء له، ولا ندري أين ذهبت الطائرات والصواريخ والدبابات التي أنفق عليها عشرات المليارات من الدولارات على مدار عقود.
لكن ذلك لا ينفي مسؤولية طبقة السياسيين والثوار الذين يشكلون أطراف المعادلة نفوذا وقوة وسلطة في ليبيا ما بعد القذافي عن حالة الفوضى الحالية التي تتفكك فيها الدولة وتغيب سلطتها لصالح كتائب مسلحة كل يتصرف على هواه على الأرض في منطقته، ويسيطر بعضها على موانئ النفط بينما تزداد قوة مطالب الحكم الذاتي للأقاليم خاصة في بنغازي وبرقة.
ومثلما حدث في دول أو مناطق أخرى فإن أسرع من يستغل الفراغ السياسي والأمني هو الجماعات المتطرفة خاصة المرتبطة بأفكار «القاعدة»، التي لا تعيش كما يبدو إلا على الخراب والفوضى، وأصبحت ليبيا خطرا أمنيا متزايدا يتعدى حدودها، فهي مركز لتهريب السلاح، وتتحدث بعض التقارير عن معسكرات لتدريب المسلحين فيها، وتتصارع الميليشيات بقوة السلاح ولا تتردد في استخدامه ضد السكان لفرض إرادتها.
أصبحت ليبيا مسرحا لخطف الدبلوماسيين، كما هو حادث لدبلوماسيين أردني وآخر تونسي من أجل إطلاق سراح محبوسين على ذمة قضايا تتعلق بجماعات الإرهاب، كما أصبحت مسرحا مفتوحا لضربات طائرات الدرون من دون طيار من الخارج، أو عمليات كوماندوز لاعتقال مطلوبين في قضايا إرهاب، وبدأت السفارات تسحب ممثليها خوفا من عمليات الاختطاف والقتل.
سياسيا رؤساء حكومات يستقيلون الواحد بعد الآخر، ووزراء يتعرضون للتهديد من مسلحين، ومجلس انتهت ولايته ومدد لنفسه وأصبحت شرعيته هو نفسه مثار خلاف بين السياسيين والشارع، وأقاليم سيطرة القوى المحلية فيها أقوى من سيطرة الدولة المركزية.
العجيب أن الحديث مع أي من السياسيين أو التقارير الصحافية التي تعكس مزاج الشارع الليبي، لا تظهر نزعات قوية للانفصال بين الأقاليم، أو خلافا قويا على وحدة الدولة، كما أن لا أحد يريد سيطرة هذه الميليشيات التي تصدرت في غفلة من الزمن المشهد على حياته، وعلى العكس فإن هناك رغبة في بناء دولة حديثة.
وقد يقال: إن القوة يفرضها فعليا من يملك السلاح، وإن الدولة جزء كبير من هيبتها أنها هي الوحيدة المخولة من قبل المجتمع بحق السلاح واستخدامه حفاظا على الأمن، لكن أيضا إذا كانت هناك إرادة قوية وسياسيون لديهم ثقة الشارع، وحكمة العمل وفقا للمصالح الليبية فقط، فإنهم يستطيعون مواجهة هذه الميليشيات، ومنع تحول ليبيا إلى ساحة صراعات إقليمية أو دولية. والمفترض أن تساعد في ذلك الدول العربية الحريصة على أمن المنطقة واستقرارها وحصار أي بؤر إرهاب تظهر فيها على اعتبار أن هذا يصب في مصلحتها. خلاف ذلك فإن الوضع الحالي في ليبيا هو دعوة مفتوحة لتدخل دولي.
“الشرق الاوسط”