الرئيسية / وجهات نظر / “المغربية الإخبارية”.. وميراث الخطابي
خالد

“المغربية الإخبارية”.. وميراث الخطابي

كنت – منذ صغري – وسأبقى مُولَعاً بحب المغرب، البشر والتاريخ والجغرافيا. إنه الحضن الدافئ لنا نحن الجزائريين في أيام الشدة والأحزان الكبرى والمآسي العالمية، ذلك هو الثابت، وما يعتري ذلك من أزمنة عابرة مثل “حرب الرمال” في الماضي، أو خلافات بين السلطات في الدولتين حول قضايا مشتركة، كما هو في الوقت الراهن، هي عناصر متغيرة وليست ثابتة أبدا ولن تكون.
ما يؤكد ذلك هو الودّ الظّاهر والخفيّ بين الشعبين خاصة خارج بلديهما، ومن يـتأمل العلاقة بين الجزائريين والمغاربة -في أوروبا بوجه خاص- التي تصل إلى درجة المصاهرة، يدرك أن الموروث التاريخي والقرابة الدموية والمصير المشترك حالة شعبية في الدولتين لن تدركها الحكومات المتعاقبة، والتي تعمل، في الغالب، من أجل تعميق الخلافات لخلفيات ليس هنا مجال شرحها.
تلك مقدمة ذات صلة لما تابعته في الثالث من أغسطس الجاري عبر قناة “المغربية الإخبارية” حول القائد والمجاهد الأمير محمد بن عبدالكريم الخطابي، عبر سلسلة برامج وثائقية تحمل اسم “الرواد”. لقد وجدت نفسي مشدودا إلى تاريخه الثريّ، رغم أنه سبق لي الاطلاع عليه، كما انتهيت إلى التأثر بأمجاده وبطولاته، مذرفا الدّمع عن زمن ولّى، وعن حاضر نجهل فيه القيم الكبرى التي تجمعنا وتحركنا.
على العموم، حسنا فعلت الإخبارية المغربية، وبالطبع الشكر موصول لكل العاملين فيها ليس فقط لأن سلسلة الرواد عمل ناجح، ولكن لأن اختيار الشخصيات -بما فيها تلك التي هي مثار خلاف في الماضي والحاضر- حرّك فينا شوقا إلى المعرفة، والأكثر من هذا أعاد مدّ الجسور بيننا وبين صناعة التاريخ المغاربي ضمن مكونه الأمازيغي الفاعل والنهضوي أولا، والعربي ثانيا، بما يُسهِّل القضاء مستقبلاً على الصور النمطية، وعلى تزوير للتاريخ تراكم لدينا، وتحوّل إلى حقائق ثابتة.
لقد ساهمت القناة في معرفتنا ببعض حقائق التاريخ الخاصة بالمجاهد الكبير والزعيم التاريخي محمد بن عبدالكريم الخطابي، وكشفت لنا عن تفاعل قرابي ووطني وبحثي من خلال آراء شخصيات تحدثت عن الخطّابي، ما كان كثير من المشاهدين في الوطن العربي -وأنا واحد منهم- على معرفة سابقة بتاريخه ولا بهم، وهم: أحمد المرابط، إلياس العماري، مصطفى العلوي، محمد العربي المساري، تضاف إليهم ابنتا محمد بن عبدالكريم الخطابي: رقيّة الخطابي، وعائشة الخطابي.
والواقع أنني حين كُنْت أُتابع على قناة المغربية الإخبارية تاريخ الخطابي؛ حروبه ضد الأعداء، وانتصارته، ونفيه، وهجرته إلى مصر، ورؤيته للصراع الحضاري، وموقفه من الاستعمار الفرنسي في دول المنطقة خاصة الجزائر، ونضاله من أجل تحرير دول المغرب العربي ووحدتها، وجدت نفسي أقارن بين ما سمعته من شهادات المشاركين في الشريط، وبين قراءات للتاريخ المغربي والعربي من مثقفين مغاربة، منشغلين بمثل هذه المواضيع والقضايا، أخص بالذكر منهم هنا: أنس بوسلامتي، وحسن أبراغ.
بالنسبة لأنس بوسلامتي، فإنه يُمثّل مرجعا إعلاميّا، وتجربة ثرية نمت وترعرعت داخل المغرب، وتعمّقت في الخارج خاصة في أوروبا، وأتت أكلها في الإمارات، له مواقفه المعروفة داخل المغرب وخارجه، تُشدّ إليه الرّحال لتفسير كثير من القضايا السياسية المغاربية، لا تغادره الابتسامة ولا تهجره الحقائق، ولا يمل سامعه من كثرة شرحه بالتفصيل أثناء تقديمه إجابات للأسئلة الشائكة على المستوى المغاربي.
تحدَّث إلي منذ أيام عن تراجع الوعي في قراءة تاريخنا، وضمن ما جاء على لسانه، متسائلاً “أنّى لنا أن نتحدّث اليوم عن أمازيغيَّة محمد بن عبدالكريم الخطَّابي، وهو الذي واصل نضاله في مصر من أجل المغربي العربي؟
والسؤال السابق مشروع، ليس فقط لأن معظم الشعوب العربية لا تعرف الدور التاريخي للأمازيغ في صناعة تاريخنا العربي والإسلامي، وإنما لأن هناك بعض الحكومات والنخب المثقفة تتعامل معهم كدخلاء، مع أنهم هم الأصل سواء من الناحية العرقية، وأيضا من ناحية استعادة الجغرافيا والتاريخ وحتى الدين من القوى الاستعمارية، ناهيك أنهم يشكلون في الوقت الحالي القوة الحقيقية لحماية دول المركز -التي تواجه اليوم منزلاقات كارثية تتعلق بالوجود والبقاء والانتماء- من خلال الثبات عبر الأطراف، وربما تكون تلك الحماية تجربة جديدة لم يعهدها العرب المسلمون، وأقصد بها حماية الأطراف للمركز.
أما بالنسبة للكاتب الصحفي حسن أبراغ، فإنه يمثّلُ موسوعة في فهم الرؤية الإستراتيجية الإعلامية للآخرين وكيفية تعاطيهم مع قضايانا، كما أنه ملم بالأحداث، وقارئ متمكن من التاريخ. إليه يعود الفضل في فهمي لأساليب القوى الاستعمارية منذ أن تم استخدام الأسلحة الكيماوية والغازات السامة في مايو 1926 من طرف فرنسا وأسبانيا ضد سكان الريف في المغرب، ولا تزال المنطقة تعيش آثارها إلى الآن.
وعلى خلفيّة تلك الجريمة المصحوبة بقوة عسكرية أسبانية – فرنسيّة، قدّرتها بعض المصادر التاريخية بــ500 ألف مقاتل جاءت هزيمة الخطابي، وبعدها تمّ نفيه وعائلته خارج المغرب، ما يعني أن الغرب في حروبه ضدّنا حضر البشرية مبكّرا إلى حربه النووية من خلال جريمة الولايات المتحدة في هيروشيما وناكازاكي في اليابان في الحرب العالمية الثانية (في 6 أغسطس 1945).
من ناحية أخرى فإن جلساتي مع حسن أبراغ -كلما اشتدت الخطوب على أمتنا، أو سيطرت عليّ المخاوف من الغد القريب، أو عجزت عن إيجاد إجابات مقنعة لأسئلة تلحّ علي وتؤرقني- تعد من السبل التي أهتدي بها في ظلمات واقعنا، بما لديه من قدرة على التحليل، ومن تراكم معرفي، ومن إحساس مرهف يؤكد في الغالب صدق توقعاته.
إن أمثال بوسلامتي وأبراغ، وغيرهما من المثقفين المغاربة ـوكثير منهم تأثر بنضال وفكر ورؤية محمد بن عبدالكريم الخطابي-، نلجأ إليهم لمعرفة المزيد من تاريخنا، ولاشكَّ أن ما قدَّمُوه لنا خلال السنوات الماضية قد أكدّ على ما جاء في قناة المغربية الإخبارية، فلها ولهم منّا كل التقدير والعرفان.

* كاتب وصحفي جزائري/”العرب”