الرئيسية / وجهات نظر / من شفشاون حتى أصيلة … نكون أو لا نكون!
زياد الدريس

من شفشاون حتى أصيلة … نكون أو لا نكون!

في عام ١٤٧١ بدأت تتضح مشاهد اكتمال سقوط الأندلس (التي ستنتهي طبعاً بسقوط غرناطة في العام ١٤٩٢). كان لا بد من إيجاد مكان آمن لإيواء مسلمي الأندلس المطرودين والهاربين من بطش الحملات الصليبية التي عملت على تطهير وإبادة سكان المدن التي تم إسقاطها في الطريق إلى غرناطة. بالمناسبة لم تكن تلك المطاردة تخص المسلمين فقط بل المسلمين واليهود معاً، وكانت الخطوة الأولى للنجاة من مذابح الإسبان هي الانتقال من الضفة الشمالية إلى الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط، ثم التغلغل هرباً واختباءً في الأراضي المغاربية التي احتضنت هؤلاء وأولئك وآوتهم من ثارات الإسبان وغزوات البرتغال التي احتلت حينذاك عدداً من مدن الساحل المغربي على المتوسط والأطلسي.
تأسست مدينة شفشاون المغربية في العام ١٤٧١ لتقوم بدور المأوى للناجين من أعراض سقوط الأندلس. تقع شفشاون الجميلة والساحرة وسط الجبال المجاورة لمدينتي تطوان وطنجة، وهي ما زالت رغم صغر حجمها ووعورة تضاريس الوصول إليها مقصداً ومزاراً للعديد من السياح العرب والأجانب. بعضهم يزورها لأجل حكايتها التاريخية ودواعي إنشائها ومشاهدة مفاتيح البيوت الأندلسية المعلقة فيها حتى اليوم على أمل العودة، وآخرون يزورونها لمشاهدة طرازها المعماري والتلويني الفذ لبيوتاتها التي تبدو كأنها لوحات فنية، ولتذوق منابع المياه التي تخرّ من وسط الجبال عذبة وباردة لا تطيق الارتواء من لذتها.
مدينة شفشاون الصغيرة كانت هي الجواب المطمئن لسؤال الهاربين من الأندلس: نكون أو لا نكون؟!
والآن، وبعد مرور أكثر من ٥٠٠ سنة، يتكرر السؤال ويتردد ولكن بطريقة أخرى في مدينة مغربية مجاورة لشفشاون وتحظى مثلها بأهمية استقطابية للزوار والسياح. فقد استعادت مدينة أصيلة في منتداها السنوي الشهير مشاعر القلق من الوضع الراهن للعرب وكأنهم على وشك أن يُطردوا، معنوياً وليس حسياً هذه المرة، من الوجود المؤثر والفاعل في هذا العالم، فجعلت محور منتداها لهذا العام هو (العرب … نكون أو لا نكون؟!).

المزيد: أصيلة المغربية … مدينة تجمع بين سحرالطبيعة و فن الجداريات

ما الذي جعل الفرانكوفوني / الإسبانيولي عرّاب أصيلة محمد بن عيسى يختار لباساً إنكليزياً / شكسبيرياً لسؤال المنتدى؟ هل لأنه يعرف أن من يمسكون بخيوط لعبة الكينونة في العالم الآن هم من الأنكلوفون، أم لأنه رأى أن لا صيغة أكثر استفزازاً وتحريكاً للجمود العربي من هذه الصيغة الحادة واللافتة، وقد نجح في استفزازه للمشاركين حقاً.
لم يكن مفاجئاً رفض المتحاورين كلهم بالإجماع لخيار أن (لا نكون) فهو خيار تم إجهاضه منذ العام ١٤٧١ باستنبات بيوت ودهاليز مدينة شفشاون، والآن تضع أصيلة الاختيار / الاختبار أمامهم من جديد وهي تدرك أن ليس أمام العرب سوى أن يكونوا، لكن السؤال الأصعب هو: كيف نكون؟.. هذا هو السؤال!

* كاتب سعودي/”الحياة”