الرئيسية / وجهات نظر / أبعاد التظاهرات والحراك السياسي في ليبيا
SALEH IBRAHIM

أبعاد التظاهرات والحراك السياسي في ليبيا

تشهد عدة مناطق ليبية منذ الأسبوع الماضي، حراكا واسعا وتظاهرات شعبية ترفع شعارات منددة بأحكام الإعدام التي أصدرتها محكمة استئناف طرابلس بحق رموز النظام السابق. تحولت بعض هذه الاحتجاجات إلى مصادمات بين الميليشيات المسلحة عندما قام المحتجون برفع صور معمر القذافي ونجله سيف الإسلام والرايات الخضراء التي تعبر عن حقبة حكم القذافي، وقامت الميليشيات المسلحة بمواجهتهم بالذخيرة الحية بل وحتى بالأسلحة الثقيلة كما حدث في سبها، وبتحليق الطائرات العسكرية كما حدث في براك الشاطئ. هذا بالإضافة إلى تظاهرات أخرى خرجت في ما سمي بعاصمة الثورة عام 2011، وهي مدينة بنغازي وأخرى في اجدابيا التي تقع تحت سيطرة الميليشيات الإسلامية المتطرفة.

المزيد: لأول مرة في بنغازي..متظاهرون يرددون “الله ومعمر وليبيا وبس”


كما أن التطور الغريب الذي حدث في ليبيا والذي أثار استغراب المحللين المهتمين بالشأن الليبي، هو أن مدن المنطقة الشرقية التي بدأ منها التمرد العسكري والرفض الشعبي للنظام السابق عام 2011، قد تحولت إلى الاتجاه المعاكس حيت أن هذا الحراك رفع شعارات في تلك المناطق تدعو إلى رفض أحكام الإعدام التي صدرت بحق بعض رموز النظام السابق، والأكثر من ذلك أن هذه المظاهرات رفعت صور سيف الإسلام وطالبت بإطلاق سراحه ورفعت صور القذافي.
هذه التطورات قد أربكت المحللين السياسيين في ليبيا وخارجها، ووجهت رسالة للأمم المتحدة والقوى الغربية بأن هناك قوى ثالثة اعتقد الجميع أنها انتهت مع قتل معمر القذافي، ولكن هذه المظاهرات بينت أنها ليست كذلك وأن تخبط الميليشيات الإرهابية، وفشل سياسات القوى الإقليمية والدولية في التعامل مع الأزمة الليبية قد ساعد على خلق واقع جديد في ليبيا.

المزيد: جذور الأزمة الليبية وآفاق التسوية السياسية

وأكد بعض المشاركين في الاحتجاجات أن دوافع هذا الحراك تكمن في فقدان الأمن، وغياب المؤسسات الأمنية وإغراق البلاد بالمهاجرين غير الشرعيين، وانتشار عصابات السلاح، وتحكم الميليشيات في مفاصل الدولة بما فيها القضاء الذي يتعرض أعضاؤه للاغتيال والابتزاز.
وأكد عدد آخر من المشاركين في المظاهرات أن هذه الاحتجاجات جاءت كرد فعل طبيعي لتدني الخدمات مثل انقطاع التيار الكهربائي لفترات تتجاوز 12 ساعة يوميا، وتردي الخدمات الصحية والتعليمية، وتوقف صرف المرتبات لأكثر من 5 أشهر نتيجة توقف تصدير النفط، وأخيرا أزمة رغيف الخبز الذي لم يعد موجودا نظرا لعدم توفر الدقيق ومنع الحكومة التونسية المواطنين التوانسة دون 35 سنة من السفر إلى ليبيا خوفا من انخراطهم في التنظيمات الإرهابية، مثلما حدث في مدينة سوسة، علما بأن العمالة التونسية تشكل العمود الفقري لقطاع المخابز في ليبيا خاصة بعد إجلاء الحكومة المصرية لكل رعاياها من ليبيا.
إن فشل ثورة فبراير في بناء دولة مدنية، بل وانقسام البلاد إلى كيانين سياسيين قد عمق حالات الإحباط لدى الشعب الليبي وخاصة الشباب الذين شاركوا في إسقاط النظام السابق بالاحتجاجات السلمية والانخراط في القتال، والذين حلموا أو تم وعدهم من خلال ثورات الربيع العربي بالحرية والمساواة وتداول السلطة وفرص العمل والعدالة الاجتماعية، وجدوا أنفسهم بعد أربع سنوات على قارعة الطريق، وأن طرابلس التي قيل أنها ستكون دبي شمال أفريقيا، قد أصبحت اليوم تشبه قندهار ومقديشو ترزح تحت حكم ميليشيات فجر ليبيا والجماعة الليبية المقاتلة وتملؤها السجون والمعتقلات التي يمارس فيها أسوأ أنواع التعذيب، ولقد كشف، بل وعرى، شريط تعذيب الساعدي نجل العقيد القذافي حجم انتهاك حقوق الإنسان في ليبيا.

*كاتب ليبي/”العرب”