الرئيسية / وجهات نظر / الأزمة الليبية: تعقيدات سياسية وميدانية تعرقل الحل السياسي
hasan-alsosi-ahali

الأزمة الليبية: تعقيدات سياسية وميدانية تعرقل الحل السياسي

مفاجآت ليبيا السلبية لم تتوقف. فلم يتبدد التفاؤل، حول توقيع الاتفاق بين أطراف الأزمة الليبية فحسب، بل برزت إلى السطح معطيات جديدة توحي بأن بصيص أمل حل الأزمة قد يتحول إلى سراب. إذ يبدو أن البلاد قد عادت، من جديد إلى مربع الاحتراب والفوضى والجهود المبذولة، محليا ودوليا، لإسدال ستار الاستقرار والأمن لم تثمر بعد.
معطيات كثيرة، ومستجدات عديدة، تعزز هذا المنحى من التحليل، إلى أن تثبت معطيات المستقبل ما يفنده على أرض الواقع كما يتمنى الكثيرون، ولعل من أهم تلك المعطيات:

المزيد: ليبيا من بلد الثورة إلى بؤرة التطرف والإرهاب


أولا، تضاؤل حظوظ توقيع المؤتمر الوطني العام، المنتهية ولايته، في طرابلس على اتفاق “السلام والمصالحة” الموقع في الحادي عشر من الشهر الماضي في مدينة الصخيرات المغربية، رغم كل ما قيل في السابق من استعداده للقيام بهذه الخطوة مع الاستمرار في إثارة قضايا الخلاف مع موقّعي الاتفاق وفي مقدمتهم حكومة عبدالله الثني المعترف بها دوليا والتفاوض تحت الإشراف الأممي حول مضامين ملاحق الاتفاق لحفظ هذا الطرف أو ذاك ما يعتبره حقوقه أو ما يراه مناسبا ليحقق اتفاق السلام والأمن والاستقرار المنشودين.
وهذا ما كشف عنه عدم التوصل إلى أيّ اتفاق في اجتماع الجزائر حول الأزمة الليبية والمخصص للتفاوض مع المؤتمر الوطني العام لإقناعه بالالتحاق بركب السلام. وهو ربما نتيجة منطقية لموقف ائتلاف فجر ليبيا الرافض لاتفاق السلام المتوصّل إليه في المغرب، أو ربما لعدم التوافق حول هذا المستوى أو ذاك من مقاربة الأزمة المطروحة على جدول أعمال المفاوضات.
ثانيا، الموقف التصعيدي لحكومة طرابلس، غير المعترف بها، من قبل المجتمع الدولي من خلال تمريرها لعقد محاكمة صورية لعدد من رموز نظام القذافي وإصدار حكم بالإعدام على سيف الإسلام القذافي والبغدادي المحمودي، رئيس آخر حكومة في عهد العقيد معمر القذافي، وهو قرار شجبته حكومة عبدالله الثني ونددت به الأمم المتحدة، علما أنه حكم غير قابل للتنفيذ أساسا لأن المعتقلين ليسوا تحت إمرة المحكمة ولا في سجون حكومة طرابلس، وإنما عند جماعات مسلحة بالزنتان وهي لا تخضع لسيطرة حكومة طرابلس وميليشيات فجر ليبيا الداعمة لها.

المزيد: حكومة طرابلس تدعو لمفاوضات ليبية من دون وساطة دولية

وهو ما اعتبره محللون سياسيون ومتابعون لتطورات الأزمة الليبية، من هذه الزاوية، تذكيرا بسيطرة تلك الحكومة، رغم عدم نيلها للاعتراف الدولي، على كثير من المؤسسات وهو ما يعني، أيضا، حرصها على التذكير الدائم، وبمختلف الوسائل، بأن موقفها حيوي في العملية السياسية الجارية تحت إشراف الأمم المتحدة، وضرورة أخذ موقفها من مسودة الاتفاق بالحسبان.
ثالثا، محاولات القوى الموالية للعقيد القذافي المطاح بنظامه التحرك في عدد من المنطق الليبية وخاصة في بنغازي للتنديد بمحاكمة بعض أقطاب النظام القديم. وفي هذا السياق يمكن اعتبار تظاهر عدد من الليبيين في المدينة إشارة إلى أن استمرار الأزمة على ما هي عليه سيوفر الأرضية الخصبة لبروز تيارات كثيرة جديدة أو قديمة على الساحة لن تزيد الأزمة الليبية إلا تعقيدا خاصة مع تدهور الأمن والاستقرار ومعيشة فئات واسعة من الشعب الليبي جراء استمرار الأزمة ونزاعاتها المسلحة.
رابعا، استمرار دول إقليمية وازنة في تقديم الدعم السياسي بمختلف أشكاله للمؤتمر الوطني العام بما يشجعه على رفض أيّ تسوية يطرحها المبعوث الأممي إلى ليبيا بل وتوجيه الاتهامات لبرناردينيو ليون بمحاباة طرف على طرف آخر في الأزمة.
وهو انتقاد رأى فيه الكثيرون إشارات سلبية وإيذانا بأن الأزمة الليبية مرشحة لمزيد من التفاقم ما لم يتدارك المجتمع الدولي الموقف فيتحرك بجدية، وعلى صعيد مجلس الأمن الدولي بالذات، لوضع الأسس الكفيلة بمنع تدهور الأوضاع وعدم ترك الحبل على غارب قوى إقليمية لم ينتج عن تدخلاتها في الأزمة الليبية إلا المزيد من التعقيدات والدمار.
ويرى متابعون أن موقف المؤتمر الوطني غير المعترف به تقف خلفه قوى إقليمية وفي مقدمتها تركيا التي تصر على الإبقاء على الوضع المتدهور كما هو ما لم يستجدّ جديد يغير قواعد اللعبة لصالح حلفائها داخل ليبيا.
يذكر أن برلمان طرابلس المنتهية ولايته رفض التوقيع على اتفاق المغرب بزعم أن التعديلات التي طلبها لم تؤخذ بعين الاعتبار، كما اعتبرت ميليشيات فجر ليبيا أن هذا الاتفاق يفتح الطريق أمام عودة ما أسمته “النظام الشمولي”، داعية إلى حوار في ليبيا ودون وساطة أجنبية. وهو ما يمكن تفسيره برغبة تلك الميليشيات في فرض أمر واقع قيادة الميليشيات المسلحة للمفاوضات اعتقادا منها أن ميزان القوة يميل لصالحها، في عدد من ميادين النزاع، وأن الحكومة المعترف بها دوليا تستقوي بهذا الاعتراف لفرض توجهاتها وتصوراتها لحل الأزمة الليبية.
في حين أن استلام القوى الليبية الداخلية للملف بشكل حصري سيغير من معادلات الحلول المطروحة بما يرجّح كفة فجر ليبيا في كل المعادلات المقبلة. وبطبيعة الحال، فإن هذه الدعوة رغم شكلها “المقبول” ربما من الناحية النظرية المجردة، لجهة كونها تؤكد على أن الحل الناجع للأزمة ينبغي أن يضطلع به الليبيون دون غيرهم، تنطوي على مغالطة كبيرة على اعتبار أن الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة، إلى حد الآن، على خط الأزمة تتمحور حول تسهيل الجمع بين الأطراف المتنازعة للتوصل إلى حل سياسي نتيجة للحوار الوطني الليبي وليس بفرض من الخارج.
هذا علاوة على كونها تخفي تصورا واضحا يقوم على رفع الغطاء السياسي الدولي المبدئي، وإن كان غير فعال، عن حكومة عبدالله الثني في حين يحتفظ فجر ليبيا وحكومة طرابلس التابعة لها بكل الغطاء السياسي والمادي الإقليمي والتركي منه على وجه الخصوص، وهو غطاء يتوخى الإبقاء على المعادلات الراهنة لما تنطوي عليه من مكاسب لخط الجماعات الإسلامية المسلحة وفي مقدمتها الجماعات المندرجة تحت التيار العام لجماعة لإخوان المسلمين والتنظيمات المتفرعة عنها أو تتقاطع معها أيديولوجيا وسياسيا وميدانيا.
على هذا الأساس، يبدو أنه من المستبعد نجاح جهود برناردينيو ليون مع استمرار المؤتمر الوطني العام وحكومة طرابلس على موقف يتميز بالتعنت وعدم المرونة في التعامل مع الأطراف الأخرى، والتشبث بضرورة تمكين المؤتمر الوطني بامتيازات في السلطة والنفوذ في أيّ صيغة مقبلة للحكم في ليبيا.
ولعل التساؤل المطروح بقوة في مختلف أوساط المتابعين للأزمة الليبية وتطوراتها يدور حول مدى قدرة المجتمع الدولي على اتخاذ قرارات صارمة في حق الأطراف المعرقلة للحل السياسي في ليبيا، بعد اللقاء بين الرئيس الأميركي باراك أوباما والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون للتباحث حول تطورات الملف الليبي وحيث تم التشديد على وجوب توحيد صفوف الفرقاء من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية قادرة على إنهاء الأزمة السياسية وتثبيت مؤسسات الدولة لا سيما أن الفراغ السياسي السائد في ليبيا تسبب في أزمة اللاجئين وخلق ملاذا آمنا لتنظيمات مثل داعش.
فهل يشكل هذا مؤشرا على مغادرة مواقع التراخي والتساهل مع الجماعات المتطرفة المسلحة في ليبيا لدخول مواقع الحزم والجدية في مقاربة الأزمة واستخدام كل الوسائل المشروعة في القانون الدولي للدفع بمسألة الحل السياسي في ليبيا إلى رأس قائمة أولويات المجتمع الدولي وأن تحولا ما قد حصل في الموقف الأميركي الموسوم بالضبابية والغموض من قبل عدد من المراقبين والخبراء في مجال الأمن إقليميا ودوليا؟
يبدو أن الأسابيع المقبلة كفيلة بتحديد اتجاهات الجواب على السؤال إذا لم يغير المؤتمر الوطني الليبي موقفه وقرر أن يظل خارج سرب الفرقاء الجادين في البحث عن الحل السياسي للأزمة الليبية.

*كاتب وباحث من المغرب/”العرب”