الرئيسية / وجهات نظر / في تطورات ملف الصحراء
826865d7c58185b88ff2463c28ea3d80

في تطورات ملف الصحراء

يبدو أن الصراع الدبلوماسي الذي خاضه المغرب هذه السنة أمميا لكسر مناورات الخصوم لتوسيع صلاحية “المينورسو” لتشمل حقوق الإنسان قد أخذ منحى آخر، إذ لم يعد المغرب في موقع الدفاع، هذا على الرغم من أن تقرير الأمين العام الأممي بان كيمون حمل عبارة ملغومة حول الآلية الدولية المستقلة والدائمة لمراقبة حقوق الإنسان، والتي هي أشبه بتوفير منصة انطلاق مناورات خصوم الوحدة الترابية لإعادة تكرار المأزق الذي وجد فيه المغرب السنة الماضية لولا التحركات المكوكية التي بذلتها الدبلوماسية المغربية ومن أعلى مستوى.
التوصيف الدقيق لموقف المغرب اليوم، هو أنه على المستوى الدولي وجد نفسه في موقع مريح، إذ لم تصدر لحد الآن أي مسودة قرار من طرف أي دولة تطالب بتوسيع صلاحية المينورسو لتشمل حقوق الإنسان، بل – إذا صح ما نقلته وكالة رويترز عن الموقف الأمريكي- فقد صدرت مسودة لا تساير العبارة الملغومة التي تضمنها تقرير الأمين العام الأممي، وتسير في الاتجاه المعاكس تماما لمطالب خصوم الوحدة الترابية والتي تدعو إلى تجديد ولاية المينورسو لسنة جديدة دون حديث عن توسيع صلاحياتها لتشمل حقوق الإنسان، ثم إنه، وعلى خلاف بعض التوقعات المتشائمة، فإن الموقف الفرنسي رغم التوتر الذي تشهده العلاقات المغربية الفرنسية، لم يصدر أي موقف مفاجئ محرج، بل العكس تماما هو الذي حصل فرنسيا وإسبانيا.
طبعا، هذا كان مفهوما، فهناك جملة عوامل تدخلت لتجعل من شهر أبريل يمر بردا وسلاما على المغرب رغم بروز بعض التحديات هنا أو هناك، فالجارة الجزائر تعيش أزمتها السياسية، وهي في قمة الانشغال بترتيب تحولات المواقع داخل السلطة، في حين جاء وقت جزء من الحصاد بالنسبة إلى المغرب الذي بذل جهده الكبير في الامتداد الجيوسياسي في إفريقيا، كما بذل جهده ومن أعلى مستوى لتعميق العلاقات المغربية الأمريكية وإعطائها مضمونا براغماتيا واسعا، هذا فضلا عن المقاربة الجديدة للهجرة التي أعلن عنها المغرب، والتي لقيت ترحيبا وإشادة أوربية.
الجديد في الموقف، أن المغرب هذه المرة أراد أن يبعث برسائل قوية للجواب على ما تضمنه تقرير الأمين العام الأممي الذي لم يراع تجاوب المغرب مع المبعوث الخاص للأمين العام الأممي، وتعزيزه لاشتغال الآلية الوطنية لحقوق الإنسان، وانفتاحه على منظومة آليات حقوق الإنسان من خلال دعوته مجددا لزيارة مقررين أمميين جدد بعد استقبالات سابقة لمقررين أمميين، وأيضا من خلال انخراطه في إصلاح منظومة العدالة، وإنهائه لمحاكمة المدنيين في المحاكم العسكرية.
فقد صدر من المغرب ثلاث إشارات سياسية دالة، الأولى رسالة الملك القوية إلى بان كيمون عبر المكالمة الهاتفية، والتي تضمنت تحذيرا من مخاطر انحراف المنتظم الدولي عن المحددات التفاوضية التي تم الاتفاق عليها، ثم زيارته إلى الأقاليم الجنوبية في هذه الظرفية التي يحتدم فيها التدافع الدبلوماسي، لتأتي الرسالة الثالثة من خلال الاستقبال الملكي في الداخلة يوم الجمعة لوزير الدولة، وزير الداخلية والأمن بجمهورية الكوت ديفوار السيد حامد باكايوكو، هذا فضلا عن مشاريع التنمية التي تم إطلاقها في المنطقة بتناسب مع الزيارة الملكية.
الرسالة واضحة: المغرب في أرضه، والمسار الإصلاحي والحقوقي خيار لا رجعة فيه، ومشاريع التنمية في الأقاليم الجنوبية هي نقطة قوة حقيقية يمتلكها المغرب لتقوية موقفه التفاوضي، وحل النزاع في الصحراء هي بوابة الأمن والمدخل للعمق الإفريقي، وأن أي رهان أوربي أو أمريكي على مواجهة التحديات الأمنية في منطقة الساحل جنوب الصحراء، أو على الأسواق الإفريقية لا يمكن أن يتم إلا من خلال شراكة استراتيجية مع المغرب مبدؤها وشرطها تسوية مشكلة الصحراء على قاعدة المقترح المغربي للحكم الذاتي.
هذه هي رسائل المغرب، التي لا يمل من تكرارها، وما حصل هذه السنة من تطورات في الموقف في الصحراء، يؤكد أن الوعي بها دوليا آخذ في التقدم، حتى وإن لم يبلغ المستويات التي يتطلع إليها المغرب.
أمام المغرب اليوم فرصة كبيرة ليعمق مساره الإصلاحي الديمقراطي والحقوقي، وأن يزاوج بين مطلبي تحقيق الديمقراطية والتنمية، وأن يستمر في مخاطبة الدول الكبرى المعنية باللغة المصلحية التي يعرفون مفرداتها، وأن ينشغل في المرحلة القادمة باستراتيجية هجومية قوية، بعد أن نجح هذه السنة في تحصين جبهاته الدفاعية.
“التجديد” المغربية