الرئيسية / وجهات نظر / أزمة سياسات الهوية تنفجر في الجزائر مرة أخرى
AZRAJE OMAR

أزمة سياسات الهوية تنفجر في الجزائر مرة أخرى

كيف نفسر انفجار قضية اللغة واللهجات العامية والتعددية اللغوية في الأسبوع الماضي في الجزائر؟ وهل يعود سبب هذا الحدث إلى زلة لسان مسؤول كبير في وزارة التربية أم أنه معطى من معطيات أزمة الهوية الوطنية العميقة والمؤجلة دائما والتي لا تزال قلقة ولم تعثر بعد على مرفأ الأمان؟

المزيد: رسميا بالجزائر..بن غبريط تعلن إدراج العامية في التدريس


وفي الحقيقة فإن مشكلة اللغة العربية والتعددية اللغوية في الجزائر هي مشكلة سياسية بالدرجة الأولى، وهي مطروحة منذ الاستقلال بشكل مغلوط، وعلى نحو شللي، ووفق منطق المصالح وبعيدا عن العقلانية والمنطق التاريخي والتحدي الحضاري، واختزلت في الشكليات ولم تحسم باعتبارها قضية جوهرية ذات صلة بالهوية وتشكيل الوجدان الوطني.
ففي جزائر ما بعد الاستقلال طرحت قضية اللغة العربية إما كقضية خبز ووظيفة، أو في إطار مساومات التيار الذي روج، ولا يزال يروج، للدعاية المغرضة التي تنشر في صورة الجملة القائلة “إذا عرَبت خرَبت”، أما اللغة الأمازيغية فتقدم غالبا على أساس أنها تمثل صندوق بارود يهدد الوحدة الوطنية. أما اللغة الفرنسية التي هي تركة استعمارية فتقدم من قبل التيار الفرنكفوني على أنها المنقذة من ضلال التخلف، علما وأن هذا التيار، الذي يملك منذ الاستقلال إلى يومنا هذا ممثلين له في سدة الحكم في أجهزة الدولة العليا والمركزية، لم ينجز بواسطة اللغة الفرنسية عقلا حداثيا جزائريا، أو تنمية متطورة في جميع المجالات في المشهد العام للمجتمع الجزائري. ففي ظل غياب هيبة الدولة في مسرح الحياة السياسية وأي قواعد ضابطة للقرارات التي تتخذ عشوائيا وللتصريحات التي يدلي بها المسؤولون في الوزارات على نحو متناقض غالبا، فقد شهدت الجزائر الأسبوع الماضي انفجار زوبعة المشكلة اللغوية التي لم يحسمها النظام الحاكم منذ سنوات الاستقلال إلى إلى اليوم.

المزيد: قرار جزائري رسمي بإعدام اللغة العربية

يعود سبب انفجار هذه الزوبعة إلى تصريح مسؤول في وزارة التعليم الابتدائي والثانوي، برتبة مفتش عام للشؤون التعليمة، كان قد أدلى به لوسائل الإعلام فور انتهاء أشغال الندوة البيداغوجية التي كرست لبحث ظاهرة ضعف المنظومة التربوية الجزائرية. وفي الواقع فإن هذا التصريح أكد بشكل لا لبس فيه أنه ابتداء من العام الدراسي القادم سوف يتم الشروع في تدريس المواد الدراسية في التعليم التحضيري التمهيدي وفي المدارس الابتدائية باللهجة العامية بدلا من اللغة العربية الفصحى التي رسّمها الدستور والميثاق الوطني بعد الاستقلال. ولكن وزيرة التربية الجزائرية، نورية بن غبريط، لم تتدخل لنفي تصريح أحد كبار المسؤولين في الوزارة إلا بعد خروج عدد كبير من الإعلاميين والكتاب الجزائريين للتصدي ومعارضة ضرب اللغة العربية.
الوزيرة اكتفت بالقول بأن ما قيل ليس سوى مجرد إشاعة لا أساس لها من الصحة، دون أن يتزامن تصريحها مع أي إجراء عقابي للمفتش العام الذي تسبب في إرباك الجزائريين والجزائريات، ويعني هذا أن كل مسؤول في الجزائر يصرح بما يشاء وحينما يشاء، ولكن الحقيقة هي أن سيناريو إدراج العامية في التعليم الجزائري لتحطيم اللغة العربية ليس مشروعا حديث العهد، بل كان مخططا له في العهد الاستعماري منذ عام 1905، وبرز بعد الاستقلال على مستوى الأفراد وبعض الدعاة من الباحثين والباحثات.
وهكذا يمكن اعتبار تصريح المفتش العام نجادي بمثابة بالون اختبار ويدخل في إطار تحسس ردود الفعل من طرف النخب المعربة والمجتمع المدني. من الواضح أن ربط ضعف المستوى اللغوي في المنظومة التعليمية باللغة العربية الفصحى، وتحميل هذه اللغة مسؤولية تخلف هذه المنظومة ليس أمرا بريئا، وإنما هو ترجمة للنوايا المغرضة التي ما فتئت تمعن في التشكيك في قدرة اللغة العربية في أن تكون قوة الأداء الحضاري، ومن جهة أخرى فإن ثمة “طابورا خامسا” يعمل في الخفاء في مؤسسات الدولة المركزية والقاعدية وفي الهرم الأعلى للسلطة لزعزعة الأمن الثقافي والتعليمي الجزائري، خاصة منذ الإعلان عن إدراج اللغة الأمازيغية كلغة وطنية دون أن يتطور ذلك إلى ترسيمها لغة وطنية ثانية إلى جانب اللغة العربية.
لاشك أن في الجزائر تيارا تغريبيا ممأسسا ومؤثرا تزعجه اللغة العربية واللغة الأمازيغية، ولكن هذا التيار المندس في المناصب الحساسة لا يتحرك بمفرده بل له عرَابوه وحرَاسه الأقوياء في قمة هرم رئاسة الجمهورية وفي الوزارات، وعلى نحو خاص في وزارة الخارجية والداخلية والمالية، وفي المؤسسات التجارية والاقتصادية التابعة للقطاع الخاص والقطاع العام. واللافت للنظر أن المجلس الأعلى للغة العربية قد تأسس بصفة هيئـة استشارية لدى رئاسة الجمهورية الجزائرية بموجـب الأمر رقم 96 / 30 المؤرخ في 21 ديسمبر 1996، المعدل والمتمم للقانون 91 – 05 المؤرخ في 16 يناير 1991، وهو مجلس يتكون من أعضاء ورئيس وتتلخص مهامه في ترقية استعمالاتها، ولكن هذا المجلس حصرت مهامه في التنشيط الثقافي البسيط، وفي عقد الندوات ذات الطابع الأدبي. وإذا تمعنا في تسميته كهيئة استشارية وليس كهيئة رقابة وتنفيذ، فإننا ندرك أن هذا المجلس مستبعد من رقابة وفرض استعمال اللغة العربية الفصحى بقوة القانون في مختلف مؤسسات الدولة، ويعني هذا أن وظيفته شكلية لا أكثر ولا أقل.
قلت سابقا بأن مشروع جعل اللغة الأمازيغية لغة وطنية له معارضوه، والدليل على ذلك عدم إدراج هذه اللغة في المنظومة الإدارية، وتعميمها في المحيط العام، حيث نجد أسماء المحلات والمؤسسات تكتب إما بعربية مشوهة وبخطوط غير موحدة وطنيا، وإما باللغة الفرنسية خاصة في المدن والقرى بالمنطقة الأمازيغية ولم يتدخل المسؤولون في جميع أجهزة الدولة بما في ذلك المحافظة السامية للأمازيغية التي هي مؤسسة أكاديمية حكومية جزائرية، لتغيير هذا الوضع المخالف للقانون.

*كاتب جزائري/”العرب”