الرئيسية / وجهات نظر / الجزائر تشبه بوتفليقة … وبوتفليقة يشبه الجزائر
3cb4e3778f32a2fa055af45a61b7bc53

الجزائر تشبه بوتفليقة … وبوتفليقة يشبه الجزائر

عشية الانتخابات الرئاسية الجزائرية، كان السؤال من يُشبه مَن؟ هل الجزائر تشبه عبد العزيز بوتفليقة الذي أصرّ، أو هناك من أصرّ بالنيابة عنه، على ولاية رئاسية رابعة رغم أنّه على كرسي متحرّك… أم أنّ بوتفليقة يشبه الجزائر الجالسة بدورها على كرسي متحرّك في انتظار يوم الخلاص؟
لا تستأهل الجزائر ما حلّ بها، خصوصا أنّها تمتلك طاقات شابة من مواليد ما بعد الاستقلال الذي تحقّق قبل ما يزيد على نصف قرن. هذه الطاقات قادرة على أخذ البلد إلى آفاق جديدة بعيدة كلّ البعد عن عقد الذين يعتبرون أنفسهم الجيل الذي صنع الاستقلال. هذا الاستقلال الذي جعل من الجزائر دولة غير طبيعية في غياب من يستطيع استيعاب أن الدور الإقليمي ليس سوى وهم. أكثر من ذلك، إنّه الطريق الأقصر إلى التعامي عن الأزمة العميقة لمجتمع تنتشر فيه البطالة والجهل، خصوصا في ضوء هبوط مستوى التعليم.
بعد الانتخابات، تبيّن بكل بساطة أنّ بوتفليقة يشبه الجزائر، والجزائر تشبه بوتفليقة. لم يعد من مجال، من أيّ نوع كان، للحيرة. صار لا بدّ من التساؤل هل الجزائر ستعيش في هذا الوضع إلى ما لا نهاية، أم أنّ هناك مرحلة انتقالية فرضت نفسها على البلد نظرا إلى وجود حاجة ماسة لدى القريبين من الرئيس الجزائري إلى حماية أنفسهم من أي ملاحقة قضائية في ضوء ما ارتكبه عدد لا بأس به منهم من تجاوزات على كلّ صعيد.
استطاع، الذين يحتاجون إلى غطاء بوتفليقة، فرضه رئيسا لخمس سنوات أخرى، رغم أنّه مقعد وعلى الرغم من تجاوزه الـ 77 من العمر. هناك حاجة إلى الرجل لدى طرف ما بات معروفا.
ولكن ما لا بدّ من الاعتراف به أيضا أنّ هناك شعورا بالحاجة إلى نوع من الاستمرارية لدى مواطنين كثيرين يخشون من العودة إلى «سنوات الجمر» التي امتدت بين 1988 و1999 تاريخ انتخاب بوتفليقة رئيسا للجمهورية. يأتي ذلك في ظلّ حاجة المؤسسة العسكرية والأمنية إلى شخصية سياسية من هذا النوع تفرض نفسها على الساحة السياسية في البلد، كي لا تكون هي في الواجهة.
في الواقع، كانت عودة العسكر إلى الاستعانة بعبد العزيز بوتفليقة، نابعة من أنه لم تعد لديهم خيارات أخرى. جرّبوا كثيرين غيره قبل أن يكتشفوا في نهاية العام 1998 أن ليس أمامهم سوى العودة إلى الرجل الذي استبعدوه في أواخر العام 1978 وبداية العام 1979 عن الرئاسة لمصلحة واحد منهم هو الشاذلي بن جديد، الضابط الأقدم والأعلى رتبة بين نظرائه.
انتظر بوتفليقة المولود في مدينة وجده المغربية، والذي كان يعتبر نفسه الخليفة الطبيعي لهواري بومدين، عشرين عاما من أجل الانتقام من الذين أبعدوه عن الرئاسة عندما كان لا يزال شابا. لم يكتف هؤلاء بإبعاده عن الرئاسة، بل فتحوا له ملفّات كثيرة من بينها الأموال الضائعة في وزارة الخارجية التي كانت في عهد بومدين، بمثابة إمارة يحكمها عبد العزيز بوتفليقة.
لا شكّ أنّ الرجل حقق نوعا من الاستقرار للجزائر التي باتت تمتلك في السنة 2014 احتياطا نقديا تزيد قيمته على 200 مليار دولار. هذا واقع لا يمكن تجاوزه، علما أن السؤال الذي لا يزال مطروحا بشكل يومي مرتبط بإرث بوتفليقة الذي خدمته الظروف في مرحلة معيّنة ارتفعت فيها أسعار النفط والغاز على نحو كبير.
هذه الظروف تظل معزولة عن مساهمة عبد العزيز بوتفليقة في البناء من أجل المستقبل في بلد يمكن أن ينفجر الوضع الداخلي فيه في أيّ لحظة. يعود ذلك أساسا إلى أن كل المشاكل الاجتماعية التي انفجرت في العام 1988 لا تزال قائمة، بل يمكن القول إنّها ازدادت حدّة.
يمكن للتقديمات الاجتماعية التي توفرّها عائدات النفط والغاز تخدير الجزائريين وتجميد الأوضاع لفترة معيّنة. لكنّ ذلك لا يمكن أن يستمرّ طويلا في غياب خطط للتنمية بعيدة المدى تأخذ في الاعتبار أن الجزائر ليست جزيرة كما أنّه لا يمكن أن تعيش الى الابد معتمدة فقط على النفط والغاز اللذين ارتفعت أسعارهما في الفترة الأخيرة.
الجزائر مريضة وبوتفليقة مريض. الرجل ليس مريضا فقط نتيجة إصابته بجلطة في الدماغ جعلت منه مقعدا غير قادر على الكلام إلا بصعوبة. الرجل مريض ومرضه من مرض الجزائر التي لم تستطع قبل كلّ شيء بناء اقتصاد مستقل إلى حد ما عن النفط والغاز رغم الثروات الكبيرة للبلد.
على رأس هذه الثروات الإنسان الجزائري القادر على تحويل بلده الجميل والغني إلى جنة متى توافرت له الظروف. وتوافر الظروف يعني أوّل ما يعني بناء مؤسسات حقيقية لدولة حديثة وسنّ قوانين عصرية والتوظيف في التعليم والخدمات والإسكان بدل البقاء في أسر الإقتصاد المافياوي الذي تحميه مراكز القوى التي ارتبطت في معظمها ببوتفليقة في السنوات العشر الأخيرة بعدما كانت مرتبطة أساسا بالمؤسسة العسكرية والأمنية.
الأهم من ذلك كلّه أن بوتفليقة لم يستطع منذ العام 1999 تخليص الجزائر من عقدة الهروب إلى الخارج بدل الإهتمام بالداخل الجزائري. لا يزال الرئيس الجزائري يعتقد، مثله مثل هواري بومدين، أن لعب دور إقليمي، خصوصا في مجال ابتزاز المغرب عن طريق أداة إسمها «بوليساريو» أو الاستثمار في حركات انفصالية في هذه الدولة الجارة أو تلك، يغني عن الاهتمام بالجزائر والجزائريين.
ما نفع احتياطات مالية ضخمة مودعة في المصارف العالمية في حال لم يكن هناك من يستطيع توظيفها في خدمة رفاه الجزائريين وتحسين الوضع المعيشي لكلّ عائلة بغية قطع الطريق على التطرّف والمتطرفين والحركات الإرهابية؟
مثل هذه السياسة القصيرة النظر تفسّر إلى حد كبير الإصرار على بقاء عبد العزيز بوتفليقة رئيسا للجزائر. الرجل الجالس على كرسي متحرّك صار أفضل من يعكس حال الجزائر الجالسة على برميل بارود والتي تستحق عن حقّ أفضل من ذلك بكثير… بل بكثير جدّا!
“الرأي” الكويتية