الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا وتونس … خطاب جميل وواقع سيئ
c32e38afbefd597b800eb6c091e217b9

ليبيا وتونس … خطاب جميل وواقع سيئ

للمرة الثانية في أقل من شهر، يتم اختطاف شخصين، يعملان في السفارة التونسية في ليبيا. اختطف الأول، وهو موظف، في 22 مارس/ آذار الماضي، والثاني، وهو دبلوماسي، في 17 أبريل/ نيسان الجاري. ما دفع الحكومة التونسية إلى دعوة مواطنيها إلى ملازمة الحذر، وتأجيل سفرهم إلى ليبيا، إلا عند الضرورة. فالمعلومات المتداولة تشير إلى احتمال استهداف تونسيين لا يتمتعون، بالضرورة، بالصفة الدبلوماسية. وحدد وزير الخارجية التونسي، المنجي الحامدي، ملامح الجهة الخاطفة، في تصريحه إنها طالبت بإطلاق سراح ليبيين متشددين دينياً معتقلين في سجون تونسية. وهذا كاف لمعرفة بقية القصة.
بقطع النظر عن هوية الطرف المسؤول عن عمليات الاختطاف، فالمؤكد أن الأراضي الليبية لم تعد آمنة للتونسيين الذين علقوا آمالاً على بناء شراكةٍ واسعةٍ وعميقةٍ مع جيرانهم على الحدود الشرقية.
كان التونسيون أول من رحبوا باندلاع الثورة على نظام معمر القذافي، وسرعان ما تحول هذا التفاعل إلى تفكيرٍ في أشكال دعمها، مع ملازمة الحذر الشديد. فالقذافي سبق أن انتقد الثورة التونسية، ووجه نصيحة للتونسيين، دعاهم فيها إلى إعادة زين العابدين بن علي إلى الحكم، ما أشار إلى احتمال دعمه فلول النظام السابق، ولو فعل ذلك، لتغيرت أشياء كثيرة.انخرطت حكومة الباجي قايد السبسي في دعم المعارضين الليبيين، بتمرير السلاح، بتنسيق مع حلف الناتو، في مجازفةٍ خطيرة، اعترفت بها الحكومة الليبية المؤقتة، بعد انتصارها العسكري. وعلى المستوى الإنساني، تم تنظيم حملة واسعة لاحتضان نحو مليون ليبي لأشهر، إلى جانب عمالٍ أجانب متعددي الجنسيات، هربوا من ليبيا، بعد أن اتسعت رقعة الحرب.
حصل ذلك، على الرغم من أن التونسيين كانوا يومها، لا يزالون يواجهون المضاعفات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية لثورتهم. بناءً عليه، راهنت حكومة الترويكا في تونس على القوى السياسية الليبية الجديدة، من أجل مشاركةٍ تونسيةٍ قويةٍ في مشاريع إعادة الإعمار. وزار الرئيس المنصف المرزوقي طرابلس، من أجل التبشير بإطلاق تعاون استراتيجي بين البلدين. لكن، سرعان ما تبخّر ذلك كله، فليبيا، بعد الثورة، وجدت نفسها بلا دولة. وبدل أن تتحول إلى عمقٍ استراتيجي لتونس، انعكست أوضاعها السياسية والأمنية غير المستقرة، وبشكل خطير، على الحالة التونسية الهشة. وتجلى ذلك على مستوياتٍ وملفاتٍ عديدة.
تعتبر مدينة بن غردان نقطة عبور بين البلدين، وهي بمثابة الشريان الحي الذي يتدفق منه الليبيون للعلاج، أو لقضاء شؤونهم المختلفة في تونس. وفي المقابل، يشكل الممر الحيوي للبضائع التي تعج بها ما تسمى أسواق ليبيا، والتي يعيش منها جزء مهم من سكان الجنوب التونسي، وحتى مدن الوسط والساحل. لكن، منذ اندلاع ثورتي البلدين، تجددت اشتباكات وخلافات بين سكان المناطق المجاورة، ما حوّل المعبر إلى مركز نزاع وتوتر مستمرين، وأدى، في مناسبات عديدة، إلى أن تغلقه السلطات الليبية، أو إحدى المجموعات المسلحة المهيمنة على الحدود. وبعد أن كان المعبر رئةً، تتنفس منها عشرات آلاف الأسر، تحول إلى ثقبٍ يكاد يغرق الاقتصاد التونسي في متاهة التجارة الموازية، وعمليات التهريب الواسعة النطاق، ما أرهق القطاع الخاص التونسي، ورفع، أيضاً، أسعار بضائع كثيرة. ويتعلق المستوى الثاني لهذه المخاطر بالبعد الأمني، حيث وفر الانهيار السياسي في ليبيا فرصةً لتهريب الأسلحة إلى تونس، استغلتها جماعاتٌ، تدرب كثيرون من أعضائها في الأراضي الليبية، ويحظون بحماية وتغطية من جماعاتٍ مسلحة تشاطرهم الخطاب والولاء.
… تحاول حكومتا البلدين الحفاظ على الصداقة. لكن، مع أهمية ذلك، فإن ما يجري ميدانياً بدأ ينسف علاقاتٍ تاريخية، لا تزال، إلى الآن، وطيدة ومتماسكة.        
“العربي الجديد”