الرئيسية / وجهات نظر / تركيا والعالم العربي
e83d2e8761e9a22c160695bbd76e71aa

تركيا والعالم العربي

شهدت السياسة الخارجية التركية، خاصة منذ وصول حزب (العدالة والتنمية) إلى الحكم في العام 2002، تغيّرات عدة في التوجهات والتحركات، إذ باتت تعتمد على تعدد العلاقات وعدم حصرها في محور واحد، الأمر الذي حوّل تركيا إلى مركز هام في السياسة الإقليمية والدولية، بعدما كانت تعتاش على أطراف حلف (الناتو) . فوسط العواصف المندلعة قرب حدودها تحتفظ تركيا بهدوئها وحساباتها الواقعية، وتسعى إلى إبعاد النار عن داخلها، وتحاول لعب دور الإطفائي حيث تستطيع، وتقدم نفسها كقوة استقرار في المنطقة، محاولة توظيف قدرتها على التحدث إلى الجميع ومما يساعدها على ذلك أنّ عدد سكانها حوالي 70 مليون نسمة ومساحتها 700805 كلم2، وهي أشبه بجسر يربط بين خمسة عوالم جغرافية-أثنية: الأوروبي، والروسي، والتركوفوني، والإسلامي، والعربي. وقد جمعت تاريخياً بين الحضارتين الهيلينية والإسلامية، وفي حال تطوير دورها الإقليمي فقد تستطيع زيادة فرص التفاعل بين العالم الخارجي والشرق الأوسط، لأنها دولة كبيرة وتشغل حيّزاً استراتيجياً مهماً يطل على رقعٍ استراتيجية هامة: أوروبا والبلقان والبحر الأبيض المتوسط والعالم العربي من جهة، وروسيا وآسيا الوسطى ومنطقة القوقاز من جهة ثانية.
أولا: تصاعد الدورالاقليمي التركي
 يستند تنامي الدور التركي إلى نظرية “العمق الإستراتيجي”، التي تعتبر أن موقع تركيا وتاريخها يجعلانها مستعدة إلى التحرك الإيجابي في كافة الاتجاهات، وخصوصاً جوارها الجغرافي، للحفاظ على أمنها وتحقيق مصالحها، لذلك توجب عليهم إنهاء القطيعة التركية لمنطقة الشرق الأوسط وقضاياها، التي استمرت عقوداً طويلة، وكانت تعيش تركيا خلالها حالة من الانطواء والعزلة داخل “هضبة الأناضول”، وتتصرف كدولة هامشية أو طرفية في منظومة المعسكر الغربي وحلف شمال الأطلسي (ناتو).
ويعتبر وزير خارجية تركيا أحمد داود أوغلو المنظّر الأهم للإستراتيجية التركية “العثمانية الجديدة” التي قوامها إخراج تركيا من بلد “طرف” عضو في محاور وعداوات، إلى بلد “مركز” على مسافة من الجميع، وفي الوقت نفسه إلى بلد ذي دور فاعل ومبادر في كل القضايا الإقليمية والدولية. وقد وردت ملامح هذه الإستراتيجية في كتابه الأشهر (العمق الاستراتيجي).
لم تتغير سياسة تركيا منذ العام 2002 تجاه التقارب مع العالم العربي ، بل انها تتقدم بإطراد ومع معظم الدول العربية.ومن المؤكد ان تركيا خرجت من ان تكون قوة معادية للعرب كما كانت خلال الحرب الباردة وحتى الأمس القريب.ولا شك ايضا ان الانتماءات الاسلامية لحزب العدالة والتنمية لعبت دورا مهما في تعزيز هذه العلاقات والتوجه شرقا بدلا من الرهان على الاتحاد الاوروبي.وينتظر ان يستمر هذا التوجه الذي ازداد منذ تولي احمد داود اوغلو وزارة الخارجية مباشرة في ايار/مايو 2009 مع استمرار وضع الاتحاد الاوروبي العراقيل امام استئناف المفاوضات بينه وبين تركيا ولا سيما في ما يتعلق بالمسألة القبرصية. ان هذا لا يعني ان الباب الاوروبي قد اغلق امام تركيا او ان تركيا تخلت عن هدف الانضمام الى الاتحاد لكنها مسيرة تبدو طويلة ومعقدة ولا افق حاسما امامها في المستقبل المنظور.لكن حتى لو طرأ تطور ايجابي على المسار الاوروبي فإن تركيا لن تتخلى عن توجهاتها المشرقية الجديدة نظرا لما توفره من مكاسب للمصالح الوطنية التركية ولما حققته بالفعل من تعاظم دورها ونفوذها الذي سيشكل عنصر دعم لموقعها في مفاوضات العضوية الاوروبية.
وقد أثار هذا الدور التركي النشط بأبعاده المتعددة الجدل حول طبيعته وحقيقة الدوافع المحركة له بين اتجاهات تبرز الطابع البراجماتي للسياسة التركية وتركيزها علي تحقيق المصالح الوطنية، وفقا لحسابات قصيرة الأمد، وأخري تؤكد تحول السياسة الخارجية نحو الشرق في إطار استعادة تركيا ذاتها الحضارية الإسلامية تحت قيادة حزب ذي مرجعية إسلامية، وثالثة تؤكد استمرار التوجه الغربي لتركيا وأدوارها بالوكالة في المنطقة مع ارتباط نشاط تركيا بمساعيها لزيادة أهميتها الاستراتيجية لتعزيز فرص انضمامها للاتحاد الأوروبي.
وفي مقابل ذلك، تزايدت تدريجيا مساحة أنصار الخطاب التركي الرسمي لحكومة العدالة من استرشاد السياسة التركية في عهدهم برؤية جديدة متعددة الأبعاد، تري تكاملا لا تعارضا بين الهويات والتوجهات المتعددة للسياسة التركية، وتتمثل عناصرها الأساسية في  :
 * ضرورة تنشيط الدور التركي في المنطقة بما يتجاوز حدودها المباشرة.
       * تغليب الحوار السياسي والمبادرات الدبلوماسية في معالجة الأزمات، ورفض سياسات الحصار والعزل، وتشجيع سياسات الانخراط الإيجابي.
         * الاهتمام بالمدخل الاقتصادي لمعالجة الخلافات، وتعزيز الاعتماد المتبادل بين اقتصادات المنطقة.
    * ضرورة الحفاظ علي وحدة الكيانات القائمة وطابعها المتعدد في إطار تعزيز التعايش الثقافي.
    * أهمية التنسيق الأمني ورفض سياسات المحاور وتأكيد مفهوم الأمن للجميع، مع عدم استبعاد إمكانية  استخدام القوة العسكرية، لكن في إطار التوظيف الذكي لعناصر القوة التركية.
     وجسدت هذه الرؤية – جنبا إلي جنب مع الأدوار التركية الفعلية تجاه قضايا المنطقة – محاولة حكومة العدالة الالتزام بنهج توفيقي توازني علي كافة المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، بين التركيز علي المصالح الوطنية التركية (الأمنية والاقتصادية والسياسية) من جهة، وإعادة صياغتها وتقديمها في إطار يوفق بين هذه المصالح ومصالح القوي الإقليمية المتعددة من جهة أخري، وبين السعي لزيادة استقلالية الرؤية التركية كدولة إقليمية لها مصالحها المحددة ذاتيا بشكل مستقل عن التبعية لارتباطاتها الغربية من ناحية، وتجنب الصدام المباشر مع  رؤي ومصالح وترتيبات الولايات المتحدة والقوي الكبري في المنطقة من ناحية أخرى.
    إلا أن الدور التركي واجهته العديد من الصعوبات، من أهمها: حدود القدرات الذاتية، وصعوبة الحفاظ علي الصياغات والمعادلات التوازنية علي كافة  المستويات الداخلية والإقليمية والدولية بشكل متزامن، واعتماد العديد من هذه الصياغات التوفيقية علي تعاون الفاعلين المؤثرين علي المستويات كافة. ومثلت الثورات العربية مناسبة جديدة لإعادة استحضار هذه الإشكاليات والجدالات  المحيطة بالدور التركي.
وتنظر تركيا إلى المنطقة العربي من زاوية المصالح الحيوية، حيث تشكل الدول العربية أولاً سوقاً ممتازة للسلع التركية التي تحظى في المنطقةبتنافسية لا تحظى بها بالضرورة في السوق الأوروبية. وثانياً تشكل المنطقة العربيةبما تملكه من احتياطات للطاقة عامل جذب بأهمية استثنائية لتركيا التي يتزايد الطلبفيها على النفط والغاز لعاملين أساسيين هما تعاظم قدرات الاقتصاد التركي وطموحتركيا لكي تصبح معبراً لإمدادات الطاقة إلى أوروبا بما يعزز وضعيتها الإستراتيجية. وثالثاً هناك المصالح الأمنية التركية، لأن لعب دور إقليمي في المنطقة يعنيالمشاركة في تحديد الأجندة الإقليمية والوصول بخطوط الدفاعات التركية إلى أبعد نطاقممكن من الأراضي التركية. وتركيا كانت تاريخياً ضحية لعمليات إرهابية سواء علىخلفية سياسية مثل المشكلة الكردية أو المشكلة الأرمينية أو على خلفية إيديولوجية مثلعمليات الجماعات الدينية المتشددة التي تنشط في دول جوارها الجغرافي  .
ثانيا: تركيا ومبادرة الجوار العربي
نظرا لتزايد النفوذ التركي في المنطقة العربية ودخولها كطرف معني بأزمات الشرق الأوسط ومشاركتها الفعالة في حل المشكلات الإقليمية ، فقد اقترح الأمين العام لجامعة الدول العربية – خلال القمة العربية التي انعقدت بمدينة (سرت الليبية) في شهر مارس 2010 -إنشاء رابطة الجوار العربي، تضم دول الجامعة العربية، بالإضافة إلى دول الجوار العربي، وطلب من القادة العرب موافقتهم على الفكرة، على أن يتم البدء بتركيا لتشكّل نواة هذه الرابطة، مشيداً بالتطور في السياسة الخارجية التركية، واقترح الأمين العام إطلاق حوار عربي مع إيران، يتحدد – بناءً على نتائجه – الموقف من انضمام إيران إلى هذه الرابطة، وأشار إلى أن الدول الأخرى المجاورة للمغرب العربي بحاجة إلى نظرة مواكبة.
       حظي اقتراح الأمين العام لجامعة الدول العربية بشأن إنشاء رابطة الجوار العربي بنصيب وافر من النقد وقدر من التأييد، وفي هذا الإطار يمكن طرح الملاحظات التالية:
1. إن اللجوء إلى دور الجوار في هذه المرحلة التي يواجه فيها العرب مشروعاً للتقسيم هو إضعاف للدور العربي، وفتح الباب للآخرين للتدخل في شؤونه، فضلاً عن أن هذه الرابطة ــ والتي استبعد منها الأمين العام ــ إسرائيل (مؤقتاً) بسبب موقفها من السلام مع العرب، هي رابطة لتجديد دور مثلث القوميات التي يحيط بالعالم العربي، والمتمثل بإسرائيل وتركيا وإيران، استناداً إلى أن العلاقة بين أعضاء هذا المثلث كانت تقوم على الدوام على حساب العرب، ولها جوانب عسكرية وأمنية واقتصادية لا تصبّ في مصلحتهم، ورغم أن علاقات مثلث تركيا ــ إيران ــ إسرائيل شهدت توترات، وهي اليوم في حال من عدم الانسجام، خصوصاً بين إسرائيل وتركيا، ونأخذ صورة العداء بين إيران وإسرائيل، إلاّ أن حجم التعاون على المستوى الاستراتيجي لم يغيّر الإطار السياسي الجغرافي لهذه العلاقة، فهذه الدول تعيش حالة افتراق وعزلة عن محيطها العربي، فتركيا وإيران تدركان أن الانضواء تحت الأخوة العربية الإسلامية سيكون على حساب نزعتها القومية، وإسرائيل تستند إلى الدين في قوميتها، فضلاً عن أن لكل منها تاريخاً غير محمود مع العرب .
     2. وهناك من اعتبر الرابطة ترحيل المشاكل من قِبل الجامعة إلى مستقبل لن يعالجها، ومعتبراً أن إنشائها سوف يجعل العرب: أقرب إلى مدى حيوي للدولتين الجارتين (تركيا وإيران) اللتين تخاطبان بأرخص الأثمان عواطف لم نعد نملك سواها: تركيا تفعل ذلك بكلمات حماسية يتفوه بها (رجب طيب أردوغان) بين وقت وآخر، وإيران بوعود يطلقها (محمود أحمدي نجاد) متعهداً إزالة دولة إسرائيل، ومن يدري فقد يأتي الغد بمنافسة على العرب تزداد حدتها بين الجارتين، كل منهما يريد أن يقضم منا أكثر مما يستطيع الآخر قضمه، ومن يدري أيضاً فقد يتحول التنافس نزاعاً ضارياً يشهد على مثله تاريخ العراق .
3. كما أن اقتراح الرابطة، رغم ما يتردد بأن القصد به إدماج النظام الإقليمي العربي ضمن منظومة أكبر لتعظيم قدرات هذا النظام العربي في مواجهة إسرائيل من جهة، و ضد محاولات أوروبية وأمريكية لخلق ترتيبات أمنية جديدة كالشرق الأوسط الكبير، والمتوسطية التي تدمج إسرائيل نفسها فيها وتقلّص من مكانة ودور النظام العربي، ومن ثم اعتُبر تبنّي إعلان (سرت) للمبايعة أحد إيجابيات القمة، فيما اعتبره البعض الآخر خطوة غير مدروسة وستزيد الخلافات العربية حول من سينضم إلى منطقة الجوار، وكيف ستعمل، ومن الأطراف أو الطرق الأكثر استفادة  .
4. إن فكرة إنشاء رابطة للجوار الإقليمي، وإن كانت تمثل عملاً مهماً يتمثل في إقامة علاقات طيبة مع الدول الأخرى، إلاّ أن الأهم هو إعطاء الأولوية للعلاقات بين الدول الأعضاء، بحيث يظل هو الهدف المحوري الذي لا يتقدم عليه أي هدف آخر، كما أن مقترح رابطة الجوار، وإن كان لا يتعارض من حيث المبدأ مع العمل علي النهوض بالعلاقات العربية ــ العربية، إلاّ أنه من حيث الواقع، فإن الجواب يتحدد في ضوء عدد من المعطيات والملاحظات من أبرزها: أن أنشطة الجامعة تفتقر إلى التحديد الدقيق للأولويات، وأن الأحداث وردود الفعل تحكم هذه النشاطات من دون أن تندرج في مسعى دؤوب لتطوير العلاقات العربية الجماعية، وتعميق مؤسسات العمل العربي المشترك، وأن الجامعة يتعين عليها أن تعمّق وتفعّل وتعمل على نجاح الهيئات والمؤسسات الموجودة فعلاً قبل أن تنتقل إلى اقتراح جديد، كما وأن واقع الجامعة يفرض عليها تحديد أولوياتها بكل دقة، وأن تستثمر طاقاتها القليلة في خدمة هدفها المركزي، وألاّ تتشتت، وأخيراً فإن تطوير العلاقات مع دول الجوار أمر قابل للتحقيق من خلال إطارات دولية وإقليمية تضم العرب والأتراك والإيرانيين، مثل منظمة المؤتمر الإسلامي، وكتلة عدم الانحياز، وكذلك عن طريق تعاون الجامعة مع منظمة التعاون الاقتصادي التي تضم تركيا وإيران وأفغانستان ودول آسيا الوسطى .
     5. ورغم نبل مقصد أمين عام الجامعة في محاولة تغيير طبيعة الحركة الإقليمية وتحويلها إلى مسار يصب في المصالح العربية، إلاّ أن اقتراحه ـــ طبقاً لما يراه البعض ــ يظل بحاجة إلى منطلقات مختلفة، وخطوات علي الأرض من بعض دول الجوار، قبل المضي في تنفيذه، خصوصاً من إيران. ومثلما اعتبر الأمين العام أن لا مكان لإسرائيل في الرابطة الإقليمية المقترحة، طالما بقيت تتصرف على أنها دولة فوق القانون الدولي، فإن الأمر ذاته ينطبق على إيران التي تحتل أرضاً عربية وتطالب بأخرى، وتحتال على القانون الدولي، وتهدد أمن المنطقة بطموحاتها النووية .
     ومع تقدير المخاوف ومشروعيتها إزاء هذه المبادرة، ينبغي القول إن هذه المبادرة اجتهاد لا ينقصه حسن النية ولا تدفعها مشاريع أجنبية أو أجندات خارجية، بل على العكس من ذلك تنطوي على رفض واضح وصريح لاستراتيجية أمريكية ــ إسرائيلية تستهدف جر الدول العربية إلى مواجهة مع إيران، وبالتالي فإن إدخال قوتين إسلاميتين في دائرة المنظومة العربية قد يكون إضافة إيجابية وليس بالضرورة خصماً من رصيد العروبة، وإن هذه المبادرة قد جاءت بنظرة غير تقليدية قد تخرج المنطقة من عنق الزجاجة وتعفيها من الحروب الكلامية والملاسنات الإعلامية طالما جرى الاتفاق على رعاية المصالح المتبادلة واحترام السيادة الوطنية والمحافظة على شخصية الإقليم وهوية أطرافه، ولعل دخول قوى غير عربية في هيكل النظام الإقليمي يؤدي إلى تحجيم الدور الإسرائيلي، ووضع حدود أمام حركته المطلقة، ويفتح عصراً جديداً يتحول فيه الشرق الأوسط من عبء على المجتمع الدولي إلى فاعل يأخذ بقدر ما يعطي، وتكون قدرته علي الشراكة في القرار الدولي أمر يختلف عن الوضع السلبي الراهن، كما أن التشدد الإيراني والاعتدال التركي يمكن لهما أن يسهما في دعم القضايا العربية أمام أطراف أخرى، شريطة ألاّ تتحول المنطقة إلى تكتل إسلامي يقلق الآخر ويخيف الغير .
ثالثا: تركيا والثورات العربية
 تدخل المنطقة العربية منعطفًا تاريخيًا هذه الأيام، بسقوط أنظمة وصعود أخرى وبتحول في البيئة الإقليمية كنتيجة للثورات التي اجتاحت العالم العربي في كل من تونس ومصر وليبيا وسوريا والبحرين واليمن، مما أدى إلى تغير موازين القوى والمحددات الحاكمة للطبيعة السياسية في الشرق الأوسط، وباتت الصورة ضبابية أمام الكثير من الدول الفاعلة في الإقليم، بما في ذلك تركيا ذاتها، التي كانت مرشحة لقيادة المنطقة بسياستها الخارجية التصالحية التي تهدف إلى تمهيد المنطقة لبسط نفوذها الإقليمي، ولكن ذلك النفوذ اصطدم بما وصفه محللون بـ “ضبابية الرؤية” التركية تجاه الثورات العربية واختلاف مواقفها في كل ثورة حسب مصالحها، وكانت مصر وليبيا وسوريا نماذج ثلاثة على ذلك.
إن الثورات العربية بدت وكأنها جاءت تفصيلاً على مقاس “تركيا الجديدة” لبسط نفوذها الواضح والمتنامي في الشرق الأوسط، فمنذ وصول حزب العدالة والتنمية التركي إلى السلطة منذ ما يقرب من تسع سنوات، قامت أنقرة بمغازلة المنطقة وحصدت علاقات دافئة مع بعض الدول العربية، وحظيت بحماس من الشعوب العربية من الرباط إلى الرمادي بسبب موقفها من العدوان على غزة، وباستخدامها لشعبيتها وسطوتها لحل المشكلات في لبنان والعراق وسوريا.
أن السياسة التركية الجديدة لا تنطلق من المعايير نفسها في التعامل مع كل القضايا، إذ يرى منظرو السياسة الخارجية التركية أن لكل قضية ظروفها التي توجب التعامل معها بطريقة قد تختلف عن أخرى. ذلك أن ابداء الدعم مثلا لحركة حماس في فلسطين، حالة قائمة بذاتها. وتوثيق التعاون مع إسرائيل في المجال الإقتصادي وتقديم “مساعدات إنسانية” لها لإطفاء حرائق جبل الكرمل، حالة أخرى مستقلة. لكن علم السياسة، إذ يعترف بهذه الواقعية في التعامل مع قضايا متنوّعة ومختلفة، فإنه قد لا يعطي علامة إيجابية عندما يضع كل هذه السياسات على مشرحة موحدة المعايير
في يونيو 2010 وصف رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان علاقة بلاده بسورية قائلاً: “إننا لا نتقاسم فقط نفس الجغرافيا أو نتنفس نفس الهواء أو نعيش في نفس المنطقة، بل نمتلك تاريخاً مشتركاً ولنا حضارة ومشاعر وثقافة مشتركة”. وفي يونيو 2011 وصف أردوغان الوضع في سورية بأنه يشهد” فظائع” وبأن السوريين لا يتصرفون حياله ” بشكل إنساني”.
بين يونيو 2010 ويونيو 2011 فعلت السياسة فعلها بالعلاقات التركية- السورية، فالسياسة هي لغة المصالح، وما كانت تركيا تعتبره من مصلحتها قبل اندلاع الحركة الاحتجاجية السورية في 15 مارس الماضي لم تعد تعتبره كذلك بعدها. وبالتالي فإن كل القفزات المتسارعة في العلاقات الثنائية بين البلدين من أول المجلس الاستراتيجي وإلغاء تأشيرات الدخول وحتى إجراء مناورات عسكرية مشتركة أصبحت كلها في مهب الريح. صحيح أن الدولتين ما زالتا تحرصان على شعرة معاوية في علاقتهما الثنائية، إلا أن تطور الأوضاع في سورية وكذلك رد الفعل التركي مفتوحان على كل الاحتمالات.
اتبعت تركيا تجاه الثورات العربية سياسة مركبة. كل بلد حالة مستقلة عن الآخر، لكن الثابت أن تركيا ترى في نفسها لاعبا من حقِّـه أن يتدخّـل في الشؤون الداخلية للدول العربية، من مُـنطلق أن استقرارها يهم تركيا وأنها تسدي النصح لا الإملاء.
تجد تركيا في نفسها القوة والقدرة على التعبير عما تتطلع إليه في أول تجربة علنية لها في التعامل مع الدول العربية. وإذا كان هذا دأب الدول الكبرى، فإن سلطة حزب العدالة والتنمية باتت تنظر إلى الآخرين، ولاسيما القريبين منها، على أنها أيضا لاعب كبير. لكن تركيا لم تمارس في الحِـراكات الشعبية العربية دورا متوازنا.
مارست تركيا في الحالة المصرية كل فائض “الباشوية” تجاه “الخديوية”، عندما دعا اردوغان مبارك إلى التنحي قبل أن يواجه ربّه في متريْـن مربَّـعين، على حد تعبيره. وأيَّـدت أنقرة الإطاحة بزين العابدين بن علي في تونس ودعت إلى تلبية “المطالب المُـحقة” للشعوب في اليمن والبحرين. وعندما جاء الدور إلى ليبيا، كان الوضع مختلفا.
    إن أي محاولة لفهم الموقف التركي من الأزمة السورية بمعزل عن السياق الإقليمي هي محاولة قاصرة لأنها ستصور لنا تطور الموقف التركي من تلك الأزمة باعتباره ينبع من اعتبارات دينية وأخلاقية لحزب العدالة والتنمية، بينما يشير الواقع إلى أن المتغير الأيديولوجي هو المتغير الأخير في تفسير سلوك تركيا حيال أزمة سورية، والدليل أن عنف النظام الليبي ضد شعبه كان في أوجه فيما كانت تركيا تعارض قرار الحظر الجوي، وتتقدم بمبادرة سلمية تقضي بالنقل السلس “والديمقراطي” للسلطة. ولم تقدم تركيا على الاعتراف بشرعية المجلس الانتقالي الليبي وُُتضحي بنحو ثمانية بلايين دينار ليبي قيمة تعاقداتها التجارية مع نظام القذافي إلا بعد تزايد القبول الدولي لشرعية المجلس وتزايد عزلتها عن الشعب الليبي إلى حد رفض مساعداتها الإنسانية.
      ازاء المواقف التركية المشرّفة تجاه القضايا العربية ولا سيما القضية الفلسطينية وازاء مبادرتها الى خطوات غير مسبوقة حتى بين الدول العربية نفسها مثل رفع مستوى التنسيق والتعاون مع العراق وسوريا كما الوساطة بين دول عربية متناقضة يمكن مطالبة العرب وجامعة الدول العربية الى القيام بالكثير مما يمكن عمله. لكن مع ملاحظة:
•           ان الدول العربية ليست كتلة واحدة متماسكة ولا متضامنة بل غالبا متضاربة ومتحاربة مباشرة او بالواسطة.وبالتالي لا يمكن الحديث عن موقف عربي رسمي واحد وهذه احدى العقبات الاساسية امام دفع العلاقات العربية التركية خطوات اكبر الى الامام.
•           ان بعض الدول العربية الرئيسية مثل مصر والسعودية رغم علاقاتها الممتازة مع تركيا فإن اجنداتها السياسية بأبعادها الخارجية(العلاقات مع الولايات المتحدة وفي الحالة المصرية العلاقات ايضا مع اسرائيل)تجعل من امكانية تنسيق المواقف مع تركيا، المتعارضة سياساتها مع واشنطن واسرائيل في اكثر من ملف حيوي، امرا غير ممكن على الاطلاق برغم صورة المجاملات الظاهرية.
•           وبالتالي فإن الدور التركي ولا سيما في ما خص القضية الفلسطينية ودعم حركة حماس غير مرحّب به لا سعوديا ولا مصريا.بل انه كان محرجا جدا ولا سيما لمصر التي ابقت معابرها الى غزة مقفلة طوال فترة العدوان وحتى الآن.
•           اما جامعة الدول العربية فتعكس هزال النظام العربي وانقساماته وهي ببنيتها اقرب الى جسم بلا روح وبالتالي لا يؤمل منها اي شيء يعزز العمل العربي المشترك فكيف بتعزيز العلاقات مع تركيا؟ ولقد كانت فضيحة ترك ساحة الخلاف بين سوريا والعراق حول تفجيرات بغداد، لكل من ايران وتركيا، مؤلمة ونموذجا لواقعها الميت.ولم يستطع اجتماعا القاهرة واسطنبول الرباعي بين وزراء خارجية سوريا والعراق وتركيا بمشاركة عمرو موسى ان يخفي الدور الشكلي لجامعة الدول العربية.ناهيك عن ان اية دولة عربية اخرى لم تبادر حتى الان الى محاولة رأب الصدع بين دمشق وبغداد كأن النظام العربي يرغب في انفجار هذا الصراع.
مع ذلك يمكن مطالبة العرب وجامعة الدول العربية بما يلي:
•           وضع استراتيجية تعاون بين جامعة الدول العربية وتركيا في كل المجالات بما يحقق مصالح الطرفين.
•           دعوة الدول العربية الى تعزيز تعاونها الاقتصادي مع تركيا تمهيدا لإقامة منطقة تجارة مشتركة على غرار الاتحاد الاوروبي خارج الحواجز الجمركية.
•           دعوة الدول العربية الى تشكيل مجلس تعاون مشترك عبر جامعة الدول العربية يجتمع مرتين في السنة للتنسيق ودفع العلاقات الثنائية الى مرحلة المؤسسات.
•           التقاط الرغبة التركية الواضحة في اقامة افضل العلاقات مع العرب من اجل تحويل هذه العلاقات الى علاقات مؤسساتية تتصل بسياسات الدولة بمعزل عن طبيعة السلطة السياسية القائمة التي تتغير بتغير الحزب الحاكم.
•           دعوة تركيا الى متابعة نهجها الحالي وتقديم التسهيلات لحركة التبادلات الاقتصادية والاستثمارية والمواطنين بينها وبين العرب.
•           التنسيق الامني والعسكري بين العرب وتركيا وايران ولا سيما في القضايا المشتركة وفي العراق تحديدا وفي ظل السياسة التركية المعلنة والثابتة في الحفاظ على وحدة الاراضي العراقية ومعارضة اي شكل من اشكال التقسيم.
•           تعزيز العلاقة بين المجتمعات المدنية في تركيا والوطن العربي على كل الصعد الاجتماعية والفكرية والثقافية والفنية والعلمية وبين مراكز الدراسات العلمية والجامعات وتكثيف المؤتمرات والنشاطات المشتركة.
رابعا: النظام العربي ومستقبل التعامل مع تركيا:
 إن النظام العربي، الرسمي وغير الرسمي، يجب أن يتعامل مع السياسة الخارجية التركية الجديدة وفق المعطيات التالية:
 – إن ثوابت السياسة الخارجية التركية التقليدية لن تتغير في شكل جوهري، وما تشهده حاليا هو إعادة ضبط وليس تحولاً مفصلياً. فتركيا لن تقطع علاقاتها بإسرائيل، ولن تخرج من حلف الناتو، ولن تغير من توجهها نحو عضوية الاتحاد الأوروبي، وستتزايد التحولات فيها استجابة للمصالح القومية للدولة ولضغوط الرأي العام التركي.
 – ستعمل تركيا جاهدة لتأكيد دورها الإقليمي، وتعزيز علاقاتها العربية والإسلامية وبالشعوب ذات الأصول التركية في إعادة تموضع جزئية، ولكنها هامة بلا شك. ويجب على الجانب العربي أن يتعامل مع تركيا على هذا الأساس، محاولاً رؤية ما يمكن أن يعود على العرب بالفائدة من العلاقات التركية الغربية والإسرائيلية، بدلاً من رؤية هذه العلاقات باعتبارها عائقاً أمام تقدم العلاقات العربية – التركية.
– سياسة حكومة العدالة والتنمية لا تستبطن مشروعاً للسيطرة، وليس لديها توجهات إيديولوجية معينة تسعى إلى فرضها، ولا دوافع إثنية أو طائفية، فما تطمح إليه هو تعزيز المصالح التركية الإقليمية وتوفير بدائل لسياسة التوجه غرباً السابقة؛ ويدرك الأتراك أن مثل هذه الطموحات لا يمكن تحقيقها بدون تبادل.
 – السبيل لتعظيم المنافع العربية من السياسة الخارجية التركية الجديدة هو مقابلتها في منتصف الطريق، أي رؤية هذه السياسة باعتبارها فرصة تاريخية، لا خطراً داهماً، ولا بد أن تقابل التوجهات التركية للتعاون الاقتصادي والتجاري، بتوجهات مماثلة، والترويج السياحي التركي في الجوار العربي لا بد أن يقابله ترويج سياحي عربي؛ كما لا بد من استكشاف مجالات التعاون العسكري والتعليمي والتقني.  فكلما ترسخت الروابط التركية بالجوار العربي، كلما أصبحت تركيا، دولة وشعباً، أكثر حساسية تجاه ما يمكن أن يمس هذه الروابط ويؤثر عليها سلباً.
– يجب عدم النظر إلى تركيا من زاوية المحاور العربية، فالانفتاح التركي يشير بوضوح إلى أن أنقره لا تريد ولا ترغب في انتهاج سياسة محاور. وعليه يجب النظر إلى اتفاق تركيا أو اختلافها مع مصر أو سورية أو السعودية، في هذه المسألة السياسية أو تلك، من زاوية تلك المسألة وحسب، وليس من زاوية التمحور السياسي.
6-ثمة دوائر قومية وعلمانية في تركيا، وفي أوساط نخبتها الحاكمة، لا تقل خوفاً من العلاقة مع الجوار العربي من مثيلاتها العربية؛ وتخشى هذه الأوساط إحياء عربياً وإسلامياً شاملاً في تركيا يؤدي في النهاية إلى طمس الهوية التركية القومية وتقويض الميراث الجمهوري. ولاحتواء هذه المخاوف، على العرب الرسميين وغير الرسميين أن لا يقتصروا في علاقاتهم التركية على مسؤولي حزب العدالة والتنمية وأنصاره، بل وأن ينفتحوا على كافة الاتجاهات الأخرى.
خلاصة
وفي الواقع يثبت تحليل توجهات السياسة الخارجية التركية أنّ تركيا، في ظل المتغيرات التي حصلت على المستوى الدولي، قامت بعملية تموضع جديدة، وإعادة تعريف لدورها، يتناسب مع الواقع الدولي، وانسجاماً مع مزاج الشارع التركي الذي شهد انزياحاً شديداً صوب مشرقيته وتراثه.
إنّ لعب تركيا لدورها في العالم كضامن للسلام والأمن في المنطقة، ليس محاولة لاستعادة مكانتها العثمانية القديمة، بقدر ما هو تعبير عن نجاح قدرتها، وإخصاب خصوصيتها، ومعادلة توازنها بين الشرق والغرب، أو بين التراث والمعاصرة، أو بين العلمانية والإسلام.
هوامش
  – د.جون ماركو :حول انتصار حزب العدالة والتنمية في انتخابات تركيا التشريعية، مجلة السياسة الدولية،العدد 151، يناير 2003،ص: 158.
  – عبد الله تركماني : محددات السياسة الخارجية التركية، الحوار المتمدن،تاريخ الدخول 13 نونبر 2011
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=164768
  – محمد نور الدين : العلاقات العربية التركية، على الرابط:
www.arabnc.org/…/Noureddine%20-%20Arab%20&%20Turkey.doc‏
  –   أنظر: محمد نور الدين: دوائر تركيا الثلاث، مجلة  شؤون الأوسط، – بيروت، مركز الدراسات الإستراتيجية والبحوث والتوثيق العدد 11/1992، ص:75.
  -أحمد داود أوغلو، العمق الاستراتيجي .. موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، ترجمة: محمد جابر ثلجي وطارق عبدالجليل (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات والدار العربية للنشر، 2010) 605-446
  – مصطفى اللباد: الدور الإقليمي التركي، الملامح والأسباب: على موقع النداء:1/12/2009
http://www.annidaa.org/modules/news/article.php?com_mode=flat&com_order=0&storyid=2029
  – أنظر: برنامج ما وراء الخبر: أبعاد الدور التركي في الشرق الأوسط:الجزيرة نت: تاريخ الحلقة 13/11/2007، على الرابط:
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/F2EA5684-2AF8-4B57-AD08-CFFAD7EF129B.htm
  – علي المليجي علي: رابطة الجوار العربي بين الطموحات والتحديات، مجلة كلية خالد العسكرية، العدد 101، 1يونيو 2010.
  – مثلث عمرو موسى، داود الشريان، صحيفة الحياة، 30/3/2010.
 -حازم صاغية: الرابطة الجوارية، صحيفة الحياة، 30/3/2010.
 -محمد شومان: حين يظل العرب في انتظار قمة استثنائية، صحيفة الحياة، 31/3/2010.
  -رغيد الصلح: هروب الجامعة العربية إلى الجوار الإقليمي، صحيفة الحياة، 1/4/2010.
 – داود الشريان: اقتراح عمرو موسى، صحيفة الحياة،1/4/2010.
 – علي المليجي علي: رابطة الجوار العربي بين الطموحات والتحديات…، المرجع السابق.
 – محمد سليمان الزواوي، الربيع العربي والخريف التركي، مجلة البيان :
http://www.albayan.co.uk/text.aspx?id=889
  – محمد نور الدين : تركيا والثورات العربية: هل هي ميكيافلية جديدة؟  
http://www.palpeople.org/atemplate.php?id=4215
 – نيفين عبد المنعم مسعد: موقف تركيا من الأزمة السورية وإعادة تشكيل الشرق الاوسط، 7/08/2011
http://www.ecssr.ac.ae/ECSSR/appmanager/portal/ecssr?_nfpb=true&lang=ar&_pageLabel=featuredTopicsPage&ftId=%2FFeatureTopic%2FNevine_Mossaad%2FFeatureTopic_1428.xml&lang=ar&_event=viewFeaturedTopic&_nfls=false
  – بشير نافع: السياسة الخارجية التركية وأسئلة ما بعد الحرب على غزة،الجزيرة نت
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/E51978FE-8E56-4D5D-B8BC-5F7585EBA4E2.htm
 – عبد الله تركماني: محددات السياسة الخارجية التركية، على الرابط:
 http://www.mokarabat.com/s7334.htm