الرئيسية / وجهات نظر / قضية المحمودي: أعراض السقم السياسي
عبدالجليل معالي

قضية المحمودي: أعراض السقم السياسي

الحكم الصادر في ليبيا بإعدام 9 من رموز النظام السابق، أثار موجة تفاعلات منتظرة في ليبيا، سواء رفضا للجهات المشرفة على المحاكمة أو تنديدا بظروف شابت المحاكمة أو انطلاقا من دواع قبلية ومناطقية، لكن المحاكمة، وما قبلها وما بعدها، أثارت أيضا سجالا سياسيا حادا في تونس أعاد القضية إلى زمن تسليم البغدادي المحمودي، آخر رئيس وزراء في نظام العهد القديم.
الحدث الليبي وأصداؤه العارمة في تونس، ينفتح على أبواب سياسية وحقوقية وأمنية شتى. البغدادي المحمودي فر إلى تونس بعد ستة أشهر من ثورة فبراير 2011، وتم إيقافه بتهمة دخول البلد بطريقة غير شرعية (تلك كانت التهمة التي حوكم من أجلها يومئذ) ليفرج عنه في أكتوبر 2011، ثم أعيد إيقافه مرة ثانية وسلمته تونس إلى ليبيا يوم 24 يونيو 2012 أثناء حكم الترويكا وكان يترأس الحكومة حمادي الجبالي (كان يتقلد منصب الأمانة العامة لحركة النهضة).

المزيد: ليبيا.. والنموذج المفقود!!

أثناء تسليم البغدادي إلى ليبيا تعالت أصوات تونسية عديدة (حقوقية وسياسية) برفض القرار انطلاقا من عدم توفر ضمانات كافية لمحاكمة الرجل في ليبيا، باعتبار غياب الدولة ومؤسساتها. اليوم تعود القضية إلى صدارة السجالات بعد أن صدر الحكم بالإعدام من قبل محكمة انتصبت في طرابلس، يروج أنها قريبة من تنظيم فجر ليبيا.
بمجرد صدور الحكم بالإعدام على البغدادي المحمودي وسيف الإسلام القذافي وصحبهما، انشغلت الساحة السياسية التونسية، كما الدوائر الحقوقية، بإثارة سؤال كيف سلم البغدادي المحمودي، ومن سلمه وفي أي ظروف وحيثيات؟ ما عزز احتدام الجدل هو انطلاق الجهات الفاعلة يومئذ في تبادل التهم وتحميل المسؤوليات: الجبالي يحمل المسؤولية إلى المنصف المرزوقي (الرئيس آنذاك) الذي ينفي علمه أصلا بقرار التسليم بالقول “رفضت الموافقة على تسليم المحمودي حتى ضمان شروط محاكمة عادلة، وتسليمه تم دون علمي ودون موافقة، لا مكتوبة ولا شفوية”، لتدخل على الخط جهات أخرى لتشير إلى أن قرار تسليم المحمودي صدر أثناء تولي الباجي قائد السبسي مسؤولية رئاسة الحكومة أثناء الفترة الانتقالية، لتصل شظايا المسؤولية إلى الرئيس المؤقت الأسبق فؤاد المبزع.

المزيد: المرزوقي يدين أحكام الإعدام الصادرة في حق رموز نظام القذافي

تسليم المحمودي إلى ليبيا في تلك الظروف سقطة كبرى للسياسة التونسية انطلاقا من اعتبارين على الأقل؛ الأول حقوقي يتصل بغياب كل الشروط الضرورية لخضوع الرجل لمحاكمة عادلة، وكانت جهات حقوقية تونسية أصدرت بيانا غداة تسليمه نبهت فيه إلى أن “تسليم المحمودي إلى السلطات الليبية في ظل أوضاعها السياسية والأمنية الراهنة، ينطوي على تهديد لسلامته الشخصية وحقوقه الأساسية وحقه في المحاكمة العادلة”. كما اعتبرت الرابطة التونسية لحقوق الإنسان أن تسليم المحمودي مخالف لاتفاقية التسليم المبرمة بين الدولتيْن التونسية والليبية، وحملت الترويكا مسؤولية النتائج الكارثية للعملية.
الاعتبار الثاني لـ“خلل” التسليم سياسي وأمني، إذ تعتبر أوساط سياسية تونسية عديدة أن الترويكا أقدمت على تسليم المحمودي إلى ليبيا في إطار “صفقة” بين الترويكا وجهات سياسية ليبية قريبة من الإسلاميين، وما يعزز هذا التصور هو الإصرار على تسليم المسؤول الليبي السابق رغم علم حكومة الترويكا بغياب الدولة والمؤسسات المؤهلة لإجراء المحاكمة، ورغم الأصوات الحقوقية والسياسية التونسية الرافضة للعملية، بل لتواصل إيقاف المحمودي، بعد إطلاق سراحه في البداية.
الثابت أن الحكم بالإعدام على المحمودي ورفاقه من رموز نظام القذافي تعبير عن أزمة حادة تبدأ في ليبيا ولا تنتهي في تونس. لأن الحكم الصادر في محكمة منتصبة في ثكنة عسكرية، وفي هذا التوقيت، وبكل ما رافقه من إخلالات قانونية وما صاحبه من عجلة، يؤدي إلى شبهة تصفية الحساب السياسي أكثر من كونه يقع داخل فضاء محاسبة رموز نظام القذافي.
والثابت أيضا أن المحمودي، تمت التضحية به أو مقايضته في إطار صفقة سياسية تعمدت التغافل عن ضرورة توفر الشروط القانونية والإنسانية للمحاكمات كما تقتضيها الأعراف الدولية. لكن تسليم المحمودي، كما الاعتراف التونسي بحكومتين في ليبيا والعلاقات السياسية المريبة مع ميليشيات ليبية، أعراض فوضى سياسية هناك ومتوالية سقم سياسي هنا.

*كاتب صحفي تونسي/”العرب”