الرئيسية / وجهات نظر / عهدة ملغّمة
e37cb185c8f2dc5dd52ce2fc045570ec

عهدة ملغّمة

كما كان متوقعاً، أعلن وزيرُ الداخلية فوزَ الرئيس بوتفليقة بعهدة رابعة، ولم تحدث المفاجأة التي توقعها بن فليس وأنصارُه، ولم يحدث التغيير المنشود عن طريق صناديق الاقتراع.
انتصارُ الرئيس كان هو السيناريو الأرجح؛ إذ أن النظام لم يصرّ على ترشيحه وهو قابع على كرسي متحرّك ليسلّم السلطة لغيره حتى ولو كان أحد أبناء النظام ورئيساً أسبق للحكومة، فبوتفليقة بالنسبة إليه هو ضمانُ الاستمرار والاستقرار والحفاظ على الحكم. وكان واضحاً منذ البداية أن جمع 5 ملايين توقيع لصالح مرشح النظام في ظرف ثلاثة أيام يعني فوزه يوم الاقتراع بنسبة عالية.
لقد برهن النظامُ أنه أحسنَ توظيف أحداث الربيع العربي والاستفادة منها إلى أقصى درجة من خلال الإيحاء للشعب بأن إعادة انتخاب بوتفليقة، يعني ديمومة الاستقرار وانتخاب غيره من المرشحين يعني المجهول والفوضى، وشنّ حملة غير مسبوقة على بن فليس، واتهمه بمحاولة زجّ البلاد في أتون الفوضى والخراب من خلال التأويل المُغرض لبعض تصريحاته، وها هي النتيجة تؤكّد حسن استثمار النظام في هذه المسألة، ودفع ملايين الناخبين إلى التصويت لـ”الاستقرار”، برغم كل ما قيل عن تزوير نتائج الانتخابات.
عرّابو العهدة الرابعة افتكّوها أخيراً وحققوا هدفهم، وسيحكمون الشعب بالوكالة طيلة خمس سنوات إذا أطال الله عمر بوتفليقة، وهي حالة غريبة غير مسبوقة في تاريخ البلد، لكن على هؤلاء أن يعرفوا أن الأمر لم ينتهِ بتمرير العهدة الرابعة يوم 18 أفريل، بل إن التحديات الكبرى قد بدأت، وهذه العهدة ستكون ملغمة بكل المقاييس بالنظر إلى بقاء الكثير من القضايا دون معالجة أو حل جذري وفي مقدّمتها غرداية، فضلاً عن أن أيّ انتكاسٍ مفاجئ لصحة الرئيس سيضعهم في حرج بالغ.
وحينما يمتنع زهاء نصف الناخبين عن التصويت مقابل الربع فقط في رئاسيات 2009، فإن هذه المقاطعة الواسعة تنطوي على دلالات عميقة، وهي رسالة قوية إلى النظام من ملايين المقاطعين، وأغلبهم من الشباب، ينبغي أن لا يتجاهلها ويُحسن قراءتَها. هذا إذا افترضنا أصلاً أن نسبة المشاركة التي قدّمها وزيرُ الداخلية صحيحة وغير مضخّمة، مع أن الوزير تجاهل تماماً الحديث عن رقم المشاركة الهزيلة في المهجر واحتسابها مع نسبة المشاركة العامّة، حتى لا يؤثر فيها وتنزل إلى حدود الثلث، ويظهر الأمرُ وكأنه نصرٌ كبير للمعارضة.
ولا شكّ أن المعارضة مدعوّة الآن إلى توحيد جهودها أكثر من أيّ وقت مضى ومواصلة نضالها لتحقيق الديمقراطية الحقيقية في البلد وإنهاء عهد الوصاية على الشعب الذي طال أزيد من نصف قرن. ولعلّ استفاقة المعارضة والاتجاه إلى توحيد جهودها قبل الانتخابات، يشكّل بصيص أمل في إمكانية إحداث التغيير الحتمي مهما طال الأمد؛ وحينما يكف “الأرسيدي” عن معارضة المعارضة، ويتجاوز خلافاتِه التاريخية القائمة منذ رُبع قرن مع الإسلاميين ويجتمع معهم لتنسيق المواقف حول الانتخابات وكيفية التعاطي مع ممارسات السلطة مستقبلاً، فإن ذلك يُعدّ تطوراً إيجابياً ينبغي تثمينُه، فمن كان يعتقد أن العداوة التقليدية بين التيارين ستنتهي ويسود محلها الوفاقُ والتفاهمُ حول كيفية إحلال الديمقراطية في البلد وقد كان الأرسيدي نفسُه اقصائياً يرفض استفادة الإسلاميين من الديمقراطية؟
ربما فشلت المعارضة في تقديم مرشح توافق، ولكن الأهمّ الآن هو إنهاء تشرذمها وصراعاتها البينية، والاتجاه إلى تنسيق جهودها ومواصلة نضالها مجتمعة من أجل تحقيق الديمقراطية الحقيقية في السنوات القادمة.  
“الشروق” الجزائرية