الرئيسية / وجهات نظر / اليُتم الديموقراطي العربي!
58498ff2e6ae7a2b1a400d430f906736

اليُتم الديموقراطي العربي!

على رغم كل ما أطـــلقه «الربيع العربي» من طاقة تفاؤل هائلة، إلا أنه كشف في المقابل تجذر ثقافة «الغربة» عن الديمـــوقراطية لدى العامة والمثقفين بدرجات متفاوتة. فالاختبار الأول للاختيار الجديد كشف استعداداً كبيراً جداً للتراجع عن تاريخ طويل من النضال الذي كانت لافتته الرئيسة «الديموقراطية»، إما بنزوع تأويلي جامح يلفق نموذجاً ديموقراطياً فيه «أشباه مؤسسات» وأشباح أُطر إجرائية، من دون أي اهتمام حقيقي بالبُعد الأهم وهو «القيم الديموقراطية»، أو برفض تام للخيار الديموقراطي ودفاع لا مواربة فيه عن الحاجة إلى إعادة إنتاج الاستبداد.
وقد يكون من المجدي الدفاع بالحجج الواضحة عن الديموقراطية، لكن ما أجده أكثر جدوى، هو البحث في عالم الأفكار عن إجابة قد تكشف سبب هذا «اليتم الديموقراطي» الذي يعكس استعداداً واسعاً للنكوص عن الديموقراطية حتى قبل أن تبلغ الفطام!
وأنا مدين في هذا التوجه في الحقيقة للديبلوماسي الروســـي المرموق الـــسابق أليـــكسي فاسيليف الذي تساءل في كتابه «روسيا في الشرقين الأدنى والأوسط: من الرسولية إلى البراغماتية»: «لماذا تُقبل الأفكار الشيوعية وتُستوعَب في أكثر أجزاء المعمورة تخلفاً، أما البلدان المتطورة مثل هنغاريا، تشيكوسلوفاكيا، ألمانيا الشرقية، فكان يجب فرضها عليها بالدبابات؟». والتجربة السوفياتية في النهاية ليست «حاكمة»، لكنها «كاشفة»، فهي ليست المعيار الذي يؤدي استخدامه إلى تحصيل اليقين، لكنها تنطوي على دروس مهمة يمكن الاسترشاد بمعطياتها. وسؤال فاسيليف في الحقيقة – إذا أسقطناه على المشهد السياسي في بعض دول الربيع العربي – يحيل على «علم تاريخ الأفكار»، وهو علم حديث النشأة نسبياً، يحاول الوصول إلى تفسيرات لمسار الأفكار ومصيرها، ازدهاراً وانحساراً.
والثقافة العربية – مع التحفظ في التعميم – لا تنتج ثمراتها الناضجة في تربة اللحظة الراهنة، بل تنضج هذه الثمار مستمدة عوامل نضجها من عمق التاريخ، بخاصة تاريخ الأفكار. والثقافة العربية المعاصرة هي نتاج روافد رئيسة تشكل البنية العميقة المختبئة وراء السطح الظاهر. وثقافتنا محكومة بما هو اجتماعي قبل أي اعتبار آخر، وخلاصة «السبيكة الاجتماعية العربية» (مع الإقرار بالتفاوت النسبي وضرورة التحفظ في التعميم) ثقافة خوف لا ثقافة أمل، ثقافة جماعية لا تقر بالفرد ولا تعرف حتى نقطة توازن بين الجماعي والفردي، ثقافة شفاهية يغلب فيها الانفعال على التأمل، ثقافة اعتزاز لا ثقافة إنجاز، ثقافة تكلس جيلي لا ثقافة تداول – أو حتى تعايش – جيلي.
وهي بالتالي – في بنيتها العميقة – تخشى التغيير وتكره الجديد وتفضل مواجهة التأزم بالصبر والتكيف والتأويل الغيبي للفشل في عالم الأسباب، على احتمال مواجهة المجهول، سواء كان قوة سياسية يمكن أن تنقل من مقعد المحكوم إلى مقعد الحاكم، أو مؤامرة كونية تحاك في الظلام – وهو هاجس يملأ خطاباتنا التحليلية والسياسية والإعلامية –، وهي بالتالي بنية يحكمها الاستمرار بأي ثمن. وتغيير البنية العميقة لأية ثقافة يستغرق زمناً طويلاً. وعليه فعلى أصحاب حلم التغيير في دول الربيع العربي أن يستزيدوا مقدار ما يستطيعون من مخزون الصبر بدلاً من مخزون الطموح!
“الحياة” اللندنية