الرئيسية / وجهات نظر / هكذا دانت الرقاب لـبوتفليقة في الجزائر
خالد عمر بن ققه

هكذا دانت الرقاب لـبوتفليقة في الجزائر

تعيش الجزائر هذه الأيام حالاً من الحركة واسعة النطاق تشمل كل المجالات، قد يختلف المراقبون حول جدواها من ناحية التَّغيير إن كانت سلبا أو إيجابا، لكنهم لا يختلفون حول أن الجزائر تتجه نحو مسار جديد يبدو فيه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة هو الفاعل الحقيقي، بل وصانع معظم الأحداث، رغم عدم تجاوبه مع الأحداث المؤلمة التي تعيشها الجزائر، خاصة على الصعيد الاجتماعي.

المزيد: نظام بوتفليقة يضحك على الأحزاب والشعب


إذن، نحن أمام عودة لبوتفليقة لجهة استعمال صلاحياته الدستورية، الأمر الذي جعل المعارضة والإعلام، في موقع رد الفعل من جهة أولى، ومن جهة ثانية أبعد التفكير في أماني الرَّافضين لسياسته، بل ولِوُجُودِه في الحكم على خلفية حالته المرضية، التي تورّطت فيها الدولة الجزائرية بعد القبول بترشيحه ومن ثم فوزه في الانتخابات التي أجريت العام الماضي (أبريل 2014).
وبغض النظر عن المستفيدين أو الخاسرين من قراراته الأخيرة المتعلقة بتغيير أو إبعاد بعض القادة العسكريين والأمنيين والوزراء، والمحافظين، فإن بوتفليقة يعدُّ الآن المتحكم “الأوحد” من خلال جماعته في حاضر الجزائر، ولذلك تبدو هذه الأخيرة في تجاوب مع مرضه، صحيح أن رقاب المسؤولين جميعهم، في الظاهر، قد دَانَت له، ليس فقط التزاما بما تمليه المسؤولية والمناصب العليا للدولة ولا تفاعلا من الدستور، ولكن لأن المصالح تحرّك معظم الذين يؤيدونه، وهذا أمر طبيعي نراه في كل أنظمة العالم، لكن غير الطبيعي أن تصبح معظم الأطراف شريكة في الفساد، الذي غدا في عهد حكم بوتفليقة ثقافة مجتمعية عامة.
استغلَّ بوتفليقة من أجل تعميره في السلطة مسألتين: الأولى، رغبات وطموحات وولاءات قيادات عسكرية أمنية وسياسية (حزبية خاصة)، وتمّكن من خلال ذلك من تطويع الجميع لصالح رؤيته في الحكم، مسْتعيناً بتجربة طويلة في لعبة السياسة منذ ثورة التحرير وإلى الآن، لذلك لا غروَ حين نجد القوى السياسية على مختلف مشاربها وتوجهاتها تتحالف معه أو تسعى للتحالف معه، وحين يتخلّى عنها أو يبعدها من الحكم تتحوَّل إلى معارضة باهتة مرفوضة شعبياً.

المزيد: الجزائر: دولة من يا ترى

المسألة الثانية، توزيع ريْع النفط بأشكال مختلفة على الشعب، صحيح أن طرق وأساليب التوزيع محل نقاش ومساءلة، كونها لم تصل إلى عامة الشعب، ولأنها أيضا مصحوبة بعمليات نهب وفساد واسعة النطاق، لكن غالبية الشعب تدرك أن الأمر لا يتعلق بالرئيس، وربما لهذا السبب حظي بالفوز في الانتخابات الرئاسية للمرة الرابعة، وإذا أمدّ الله في عمره وترشح للمرة الخامسة سيفوز أيضا.
والقول بأن الجزائر تعدّ نفسها لمرحلة “ما بعد بوتفليقة” يمثّل حلما للمعارضة، لأن السياسة الجزائرية في اختيار الرؤساء قائمة على فكرة “دعها تقع”، أي ليست هناك عملية مؤسساتية إستراتيجية يتمّ بموجبها اختيار رئيس جديد، وإنما هي خاضعة لاعتبارات عسكرية وأمنية تحسم في اللحظة الأخيرة، لذلك لا يتوقع أن يخلف بوتفليقة في المستقبل أي من القريبين منه الآن، وأن معظم من يتم تداول أسمائهم هم مجرّد أوراق محروقة، والقول بتوريث أخيه السعيد بوتفليقة ضرب من الخيال والوهم سواء بالنسبة لـ“السعيد” أو لمن هم حوله، أو حتى للرئيس بوتفليقة نفسه.
مهما يكن فإن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، يستند في قوة قراره إلى ثلاث ركائز: الأولى، الشرعية من حيث هي نتاج انتخابات معترف بها محليا ودوليا، والثانية، دعم الجيش المطلق له حفاظا على وحدة الجزائر وإبعادها على المصير الراهن لدول عربيَّة مجاورة أو بعيدة، والثالثة، التخويف من التطورات الجارية في الدول العربية من حيث نتائجها الدمويّة أولا، ومن حيث الاستفادة من آلام تجربة العشرية الدمويَّة في الجزائر ثانيا.
عمليا، تدرك القوى المعارضة لِحُكْمِهِ أهمية الركائز الثلاث السابقة، ولذلك تعمل جاهدة من أجل تهديمها، فهي تشكك في شرعيته من خلال طرح مسألة مرضه، ولذلك تدعو لانتخابات مبكّرة، وهو طرح غير مبّرر، وتحاول شغل الجيش بتوترات الجبهة الداخلية بما فيها الأعمال الإرهابية المتفرقة ضد الجيش، وطرح خطاب الرداءة من معارضة مفلسة تريد منه دفعها لتصبح الحاكم، وحملات إعلامية، الكثيرون من أصحابها مرتبطون بلوبيات الفساد، وكل ذلك من أجل إنهاء دعم بوتفليقة والمحافظة على الشرعية.
من ناحية أخرى تعمل بعض قوى المعارضة من أجل أن تصبح الجزائر جزءا من المخطط العام لانهيار الدولة القطرية في العالم العربي، أي دفعها نحو فوضى عامة قد تتّخذ شكلا اجتماعيا مثلما حدث في غرداية، أو عسكريا مثل العملية الإرهابية ضد الجيش كما حدث الأيام الأخيرة في ولاية عين الدفلى، أو أمنية كما نشر عن قصة إطلاق النار حول إقامة الرئيس، والتي هي، حسب بعض المصادر المطلعة، مشادة بين رجال أمن حماية الرئيس وأحد المقربين منه أراد الدخول على الرئيس دون موافقة الأمن.
لا شك أن قابلية السياسيين طمعا في مكاسب حقيقية أو وهمية، ودعم الجيش لشرعية بوتفليقة، وتنازل بعض القادة الأمنيين الكبار رغبة في سلطة منتظرة أو ترقية مؤجلة، أو رهبة من الإبعاد من المناصب العليا، أو من أجل الحفاظ على أمن البلاد وتجنيبها حدوث صراع بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة الأمنية، وفشل مشاريع التغيير في الدول العربية الأخرى قد مكّنت بوتفليقة من حكم الدولة الجزائرية من منظوره الخاص.

وتجدر الإشارة هنا، إلى أننا حين نتحدث عن شرعيَّة بوتفليقة في اتخاذ قراراته طبقا لما خوّله الدستور، فذاك فقط لكي نحافظ على ما بقي من شكل قانوني للدولة الجزائرية، لكن الحقيقة أن الدستور والحكومة والجيش والمؤسسات الأمنية وكل مؤسسات الدولة الاقتصادية والاجتماعية في خدمة رؤيته، وهي تعتقد بصدق أنها في خدمة الجزائر. إنه داهية بكل المقاييس، ومناور شرس، ولاعب سياسي قوي، ولكن كل ذلك لن يجعل أتباعه ومريده وأنصاره خلفاء له في الحكم، لأن السلطة في الجزائر مرهونة بصناعة الحاضر حتى لو كان مناقضا لكل ما سبق، وهذا تتحكّم فيه القوى الفاعلة في زمن الأزمات، أو عند شغور منصب الرئيس لأيّ سبب كان.

*كاتب وصحفي جزائري/”العرب”