الرئيسية / وجهات نظر / بورقيبة وخصومه
SALAH DINE jourchii

بورقيبة وخصومه

هناك فرق شاسع بين إعادة الاعتبار للزعيم الحبيب بورقيبة ووضعه فوق الشبهات، فالرجل كان قائدا حقيقيا لبلد صغير، مثل تونس التي جعل منها دولة لها قيمتها الرمزية في العالم. ولكن، لا يعني ذلك أنه لم يرتكب، في أثناء مزاولته الحكم، أخطاء من الحجم الثقيل، لا يمكن للتاريخ أن يقفز فوقها، أو يفسخها من سجله. كانت لبورقيبة خصومات سياسية أو شخصية، ولم يقم بإدارة هذه الخلافات، في جميع الحالات، بطريقة ديمقراطية أو حضارية. كانت لديه رغبة واضحة في الانفراد بالحكم، والظهور وحده في الصورة، مستثمرا موقعه ليرسخ لدى التونسيين قراءة أحادية لتاريخ الحركة الوطنية، ولمختلف مراحل تشكل الدولة الحديثة.

المزيد: تونس.. مسار وثورتان

نقول هذا بمناسبة مرور 59 عاما على لحظة إعلان الجمهورية، وعودة الجدل بشأن تقييم المرحلة البورقيبية، بمختلف محطاتها الإيجابية والسلبية. ومن الأسماء التي لمعت في تلك المرحلة، ثم طمست بالكامل، شخص اسمه الطاهر بن عمار. كان الوزير الأكبر الذي قاد حكومة المفاوضات الأولى، والتي توجت بإعلان ما سمي الاستقلال الداخلي، وهي خطوة حاسمة نحو إعلان الاستقلال التام لتونس في 20 مارس/آذار 1956. وقد وجدت هذه الشخصية المهمة نفسها بعد هذا الإنجاز في حالة اعتقال، حيث تمت محاكمته، ووجهت له تهم عديدة، يبدو أنها لم تكن مصحوبة بأدلة قطعية، وهو ما حاول أن يثبته نجل بن عمار في كتاب أصدره، أخيراً، (الطاهر بن عمار.. كفاح رجل ومصير أمة).
الشخصية الثانية التي أحالها بورقيبة على المعاش، بطريقة غير نظيفة، آخر بايات الدولة الحسينية، محمد لامين باي. صدر قرار بإعلان الجمهورية في تونس يوم 25 يوليو/تموز 1957، أي بعد إعلان الاستقلال بأشهر. وفي اليوم نفسه، صودرت كل ممتلكات الأسرة الحسينية التي حكمت البلاد فترة طويلة، وطرد الباي وأسرته بأسلوب غير مقبول سياسيا وأخلاقياً، حيث لم يسمح لهم بحمل أي شيء معهم، حسبما ورد في شهادة حفيدته التي ذكرت أن تاجراً من مالطا مكنهم من بيت بدون أثاث، وباتوا ليلتها على كراتين جلبوها من أحد المحال التجارية. أما الباي فقد وضع بالسجن عدة أشهر، من دون تمكينه من تجديد ثيابه. وبعد مغادرة السجن بفترة وجيزة، توفي عن نحو 82 عاما.
وفي أول انتخابات نظمت بعد الاستقلال، تعرض المرشحون من غير الحزب الدستوري لمضايقات شديدة، قبل أن يتم تجميد الحزب الشيوعي. لتبدأ بعد ذلك مرحلة الحكم الفردي والحزب الواحد، وذلك بعد تصفية الجناح الموالي لصالح بن يوسف الذي اغتيل في أحد فنادق ألمانيا.
ما حدث لا يحجب أهمية بورقيبة السياسية، خصوصاً مع مقارنة حكمه بما قامت به أنظمة عربية أخرى، عسكرية ومدنية. وقد تكون له وجهة نظر تعلل ما أقدم عليه، فالرجل يبقى من بين القامات الكبرى التي صنعت جزءاً من تاريخ تونس، لكن احترام أحجام الأشخاص وأدوارهم يقتضي، أيضاً، قدرا عاليا من الصراحة التي تستوجب إعادة بناء السياق التاريخي للأحداث والأشخاص، لأنه من دون التقيد بالحقائق التاريخية، تصبح المقدمات فاسدة، وتؤدي بأصحابها إلى نتائج فاسدة. وبما أن التونسيين اليوم بصدد بناء نظام سياسي مختلف عمّا كان عليه من قبل، وبما أن حرية التعبير أصبحت مضمونة بنسبة عالية، فذلك من شأنه أن يوفر المناخ المناسب لإعادة كتابة التاريخ الوطني، وإعادة الاعتبار لكل من تم تهميشه، أو محاولة إسقاطه تعسفاً من الذاكرة الجماعية، أو حجب دوره، مهما كان محدوداً في بناء تونس الحديثة، لأن العظمة لا تبنى على حساب الآخرين، فلكل جواد كبوة، ولكل سياسي مهما نجح أخطاء قد تكون كارثية أحياناً. في كل الأحوال، تاريخ الشعوب قد يتحمل التزوير مؤقتاً. لكن، سرعان ما يأتي المؤرخون ليصححوا الوقائع، ويكشفوا الشهادات المضللة.

* كاتب من تونس /”العربي الجديد”