الرئيسية / وجهات نظر / لكي لا تصبح الحرب على الإرهاب وقودًا له
عثمان ميرغني

لكي لا تصبح الحرب على الإرهاب وقودًا له

كان من الطبيعي أن تثير الاستراتيجية التي عرضها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون هذا الأسبوع في إطار تكثيف الجهود لمحاربة الإرهاب، اهتمامًا ونقاشًا في وسائل الإعلام وداخل الجاليات الإسلامية وفي أوساط المهتمين. فالحقيقة أن هناك استراتيجيات كثيرة توضع وتعرض للبحث والنقاش والتنفيذ، لكن الإرهاب مثل السرطان لا يزال ينتشر ويدمر ويقتل. لا توجد حتى الآن استراتيجية متكاملة وناجحة مائة في المائة لدحر ظاهرة معقدة كالإرهاب. هناك تجارب حققت نسبًا متفاوتة من النجاح، لكن الحرب ضد الإرهاب لا تزال مستمرة بلا هوادة لأن ناره لم تخمد، وأعداد ضحاياه في تزايد، بينما تجد دعايات شيوخ الإرهاب والتطرف طريقها إلى عقول شباب يتحولون إلى وقود في هذه الحرب.
هناك أسئلة كثيرة في موضوع الإرهاب، لكن السؤال الذي ظل يتكرر كثيرًا هو: كيف نحول دون أن تتحول الحرب على الإرهاب إلى وقود له؟
فالإجراءات التي تتخذ والقوانين التي تسن في إطار الحرب على الإرهاب ومواجهة حركاته وشيوخه، تثير في بعض الأحيان جدلاً؛ لأن آثارها وتداعياتها تطاول كل الناس، ولا تقتصر فقط على المتطرفين والإرهابيين. لكن الأخطر من ذلك هو خلق أجواء تصب في تغذية مشاعر الشك والتباعد والكراهية. فهناك نزعة في بعض الأوساط «لشيطنة» المسلمين كلهم، كما أن الطريقة التي يتم بها تناول الإرهاب وجرائمه تجعل كثيرًا من المسلمين يشعرون بأنهم يوضعون في سلة واحدة مع المتطرفين والإرهابيين، وأن دينهم يتعرض للاستهداف والتشويه بسبب تصرفات قلة ضئيلة مارقة. وبينما يجأر كثير من المسلمين بالشكوى من هذا الأمر ويدعون إلى معالجة متعقلة وتناول متوازن، فإن شيوخ التطرف والإرهاب يجدون فيه مادة خصبة يستخدمونها في دعاياتهم وخطبهم لتأجيج العداوات ولتجنيد الشباب الغاضب أو الضائع.

المزيد: وزير تونسي سابق: “محاربة التطرف لا يتم عبر إغلاق المساجد”

كثير من القادة السياسيين في الغرب يشددون في تصريحاتهم وبياناتهم على أهمية التفريق بين الإسلام كدين يعتنقه أكثر من مليار ونصف المليار إنسان حول العالم، والإرهاب الذي تقوم به قلة قليلة منبوذة من الغالبية العظمى من المسلمين التي تتبرأ من أفعال هؤلاء وأفكارهم. المشكلة أنه كلما يبدأ نقاش حول الإرهاب، أو تقع جريمة إرهابية يعود الكلام عن «الإرهاب الإسلامي» وينطلق الكلام عن «التشدد الإسلامي» فيوضع الدين كله في دائرة الاتهام، كما يترسخ الانطباع عن المسلمين وكأنهم كلهم متطرفون وإرهابيون.
الإعلام الغربي يلعب دورًا كبيرًا في هذا التعميم المضلل والتصوير التبسيطي الذي يشوه صورة الإسلام والمسلمين ولا يخدم في النهاية سوى المتطرفين ودعاة الكراهية في الجانبين. هناك بالطبع أصوات عاقلة ومتوازنة تحاول معالجة الإرهاب وجرائمه بعيدًا عن الصور النمطية أو التعميمات والأوصاف الجاهزة، لكن استسهال الإعلام في غالبيته العظمى للأوصاف الجاهزة سرعان ما يغرق هذه الأصوات.
كاميرون طرح عدة نقاط مهمة في استراتيجيته. وتطرق إلى موضوع التغطية الصحافية، عندما ناشد الإعلاميين تحكيم عقولهم في تغطية الموضوعات المتصلة بظاهرة الإرهاب، وإعطاء فرصة أكبر للصوت الإسلامي المعتدل، بدلاً من أصوات التطرف. هذا الأمر مطلوب لكنه بالتأكيد غير كاف، فهناك جهد آخر مطلوب من المسلمين أنفسهم لتصحيح الصورة المشوهة التي ترسم لهم. الجاليات والدول الإسلامية لا تنشط بشكل كاف في اتجاه الإعلام الغربي بهدف تصحيح هذه المفاهيم. ومن دون جهد حقيقي وتواصل إيجابي ستبقى الصورة المختلة ويكبر معها الإحساس بالاستهداف وتنمو مشاعر الشك والعداء.
التصدي لعملية التشويه التي تحدث بحق الإسلام والمسلمين جزء مهم من جهود الحرب ضد الإرهاب، خصوصًا أن كثيرًا من الشباب المسلم في الغرب يشعر بأنه مستهدف وأن هناك تمييزًا ضده وعداء للإسلام، فيصبح عرضة لتأثير دعايات وخطب المتطرفين. فالدول الغربية لا يمكنها إهمال هذه التأثيرات في بحثها عن الأسباب التي جعلت أكثر من ثلاثة آلاف شاب مسلم ترعرعوا فيها، ودرسوا في مدارسها ومن مناهجها، يتوجهون إلى سوريا والعراق للانضمام إلى «داعش» وأخواتها من تنظيمات الإرهاب. صحيح أن هناك عوامل أخرى مثل انغلاق بعض الجاليات المهاجرة ومشكلات التعايش والانصهار، أو تأثير البطالة والإحساس بالضياع، إلا أن أجواء «الإسلاموفوبيا» لا تقل أهمية من حيث تأثيراتها.
هناك كلام كثير عن المطلوب من الدول الإسلامية في التصدي لبيئة التطرف وخطاب الكراهية، ودعوات للإسراع بالمعالجات المطلوبة للمناهج الدراسية. وهناك أيضا كلام متواصل عن المشكلات السياسية والقضايا الاقتصادية والاجتماعية، وعن أهمية ترقية فكر الحوار والتسامح والتعايش مع الآخر ومع الأقليات في المنطقة. وكل هذا مطلوب وضروري، لكن الأمر الذي لا جدال فيه أنه مع كل ما سبق ذكره فإن الحرب ضد الإرهاب لا يمكن كسبها إذا لم تنظر الدول الغربية في بعض سياساتها التي أسهمت في خلق بؤر التوتر أو في المظالم التي تغذي مشاعر الغبن.

المزيد: وثائق سرية: واشنطن سمحت بقيام “الدولة الإسلامية”

*كاتب صحفي/”الشرق الأوسط”