الرئيسية / وجهات نظر / مفهوم الانتخابات الديمقراطية
40d865036392221b60c41017e21a43b2

مفهوم الانتخابات الديمقراطية

تمهيد:
مفهوم “الانتخابات الديمقراطية”:
أولاً- متطلبات الانتخابات الديمقراطية
ثانياً – مقاصد الانتخابات الديمقراطية
1. التعبير عن مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطة
2. اختيار الحكام
3. تسوية الصراعات السياسية بطرق سلمية
4. توفير الشرعية السياسية أو تجديدها
5. محاسبة الحكام
6. التجنيد السياسي
7. التثقيف السياسي
ثالثاً: معيار “حرية” الانتخابات
1. احترام مبدأ حكم القانون:
2. احترام مبدأ التنافسية:
3. ضمان حريات المعرفة والتعبير والاجتماع والإعلام:
4. حرية تشكيل المنظمات السياسية المستقلة عن السلطة التنفيذية:
رابعاً: معيار “نزاهة” الانتخابات
1. حق الاقتراع العام
2. تسجيل الناخبين بشفافية وحياد
3. الحياد السياسي للقائمين على الانتخابات
4. قانون انتخابي عادل وفعّال
5. دورية الانتخابات
6. ضمانات أخرى:
قائمة مراجعة لمعايير نزاهة انتخابات الديمقراطية
ملاحظات ختامية:
قائمة بأهم المراجع
مفهوم “الانتخابات الديمقراطية      
تمهيد:
تشير بعض التقديرات إلى أن أكثر من بليون شخص في العالم يُدلون بأصواتهم في انتخابات ديمقراطية تنافسية لاختيار حكامهم وممثليهم في مؤسسات صنع السياسات واتخاذ القرارات.[1] فبعد موجات التحول الديمقراطي التي شهدها العالم في العقدين الأخيرين من القرن العشرين تُجرى معظم دول العالم انتخابات من نوع ما، بيد أن نحو نصف دول العالم فقط تشهد انتخابات توصف بأنها ديمقراطية وتنافسية. أما بقية الانتخابات فلا توصف بذلك،[2] إذ طوّر الحكام أدوات وأساليب للتلاعب في عملية الانتخابات – أو ما يسمى في أدبيات السياسة “technology of manipulation” – بغرض تحقيق مقاصد غير تلك التي تُرجى من الانتخابات الديمقراطية، وعلى رأسها الحصول على الشرعية أمام الجماهير والتخفيف من حدة الضغوط المطالبة بالإصلاح واحترام حقوق الإنسان في الداخل والخارج. وفي المنطقة العربية لم تؤد الانتخابات التي تجريها بعض أنظمة الحكم إلى انتقال ديمقراطي واحد، ناهيك عن تحول ديمقراطي حقيقي.[3]وقد أفضى استخدام الانتخابات والتعددية الحزبية الشكلية إلى تجاوز التقسيم التقليدي لنظم الحكم (نظم ديمقراطية بنماذجها المختلفة مقابل كل من النظم التسلطية والنظم الشمولية بأشكالهما المختلفة)، وظهور أشكال عدة لتصنيفات جديدة، حال “الديمقراطية الزائفة” “pseudo democracy ” ، أو “النظم المختلطة” “hybrid regimes”، أو “النظم شبه الديمقراطية” “semi-democracy”، أو “التسلطية الانتخابية” “electoral authoritarianism” أو “التسلطية التنافسية””competitive authoritarianism”.[4]
ونظراً لأن آلية الانتخابات تستخدم في النظم الديمقراطية والتسلطية والشمولية لتحقيق مقاصد ووظائف متباينة، فإن هذه الورقة تستهدف الوقوف على المعايير التي يمكن من خلالها التفرقة بين الانتخابات الديمقراطية التنافسية وبين غيرها من الانتخابات التي لا يمكن وصفها لا بالديمقراطية ولا بالتنافسية. إن تحقيق هذا الهدف يمثل معياراً أساسياً من معايير التمييز بين النظم الديمقراطية وغيرها من النظم غير الديمقراطية وذلك بالنظر إلى أن آلية الانتخابات أضحت من أبرز الآليات التي يلجأ لها الحكام المستبدون في عالمنا المعاصر. إن التفرقة بين الانتخابات الديمقراطية والانتخابات غير الديمقراطية تحدد الحد الأدنى الذي على نظم الحكم الوصول إليه حتى يمكن وصفها بالديمقراطية، أو – على أقل تقدير – النظر إليها على أنها في طريقها إلى الديمقراطية.   
مفهوم “الانتخابات الديمقراطية”:
يحتل مفهوم “الانتخابات الديمقراطية”، عند كثير من الباحثين، موقع الصدارة في النظم الديمقراطية وذلك منذ أن عرّف جوزيف شومبيتر الديمقراطية على أنها مجموعة من الإجراءات والمؤسسات التي يستطيع الأفراد من خلالها المشاركة في عملية صنع القرارات السياسية عن طريق التنافس في انتخابات حرة.[5] وعلى الرغم من اهتمام الكثيرين بهذا المفهوم عند حديثهم عن الديمقراطية، إلا أنه لا يوجد، حتى اليوم، تعريف متفق عليه بين المهتمين بالانتخابات، أو مجموعة من المعايير القاطعة التي تُحدد معالم الانتخابات الحرة والنزيهة، كما لا يوجد منهجية واحدة يمكن من خلالها وضع مؤشرات محددة وشاملة للانتخابات الديمقراطية.[6]لقد وضع روبرت دال الانتخابات الحرة والنزيهة ضمن الشروط السبعة للشكل الديمقراطي من وجهة نظره، غير أنه لم يُقدم تعريفاً تفصيلياً للانتخابات الحرة والنزيهة، مؤكداُ على ضرورة أن يسبق إجراء تلك الانتخابات مجموعة من الحريات والحقوق الديمقراطية، معتبراً أن الترتيب المنطقي للأمور يأتي على النحو التالي: حرية الحصول على المعلومات من مصادر متعددة – حرية التعبير – حرية التنظيم وتشكيل مؤسسات مستقلة – إجراء انتخابات حرة ونزيهة. أي أن الانتخابات الحرة والنزيهة هي “ذروة الديمقراطية وليس بدايتها” عند دال، فالانتخابات لا تسبق الديمقراطية، وهي لا تنتج لا الديمقراطية ولا الحريات والحقوق.[7]وفي الأدبيات العلمية التي تعنى بالديمقراطية والانتخابات في الغرب، حاول بعض الباحثين وضع تعريفات محددة للانتخابات الديمقراطية للحالات التي يدرسونها. ولعل من أبرز تلك الأدبيات وأكثرها شمولاً ما قام به ديفيد باتلر وآخرون، فالانتخابات العامة الديمقراطية تستند إلى شروط ستة، هي: حق التصويت العام لكل المواطنين البالغين، دورية الانتخابات وانتظامها، عدم حرمان أي جماعة من تشكيل حزب سياسي ومن الترشح للمناصب السياسية، حق التنافس على كل مقاعد المجالس التشريعية، حرية إدارة الحملات الانتخابية على وضع لا يحرم فيه القانون ولا وسائل العنف المرشحين من عرض آرائهم وقدراتهم ولا الناخبين من مناقشة تلك الآراء، وتمكين الناخبين من الإدلاء بأصواتهم وسط جو من الحرية والسرية وفرز الأصوات وإعلانها بشفافية وكذا تمكين المنتصرين من مناصبهم السياسية حتى وقت الانتخابات التالية.[8]أما عبارة “انتخابات حرة ونزيهة”، الشائعة في جُل الدراسات التي تتناول الانتخابات، فقد ظهرت لأول مرة لوصف الاستفتاء الذي تم على استقلال ما كان يُعرف بأرض توغو (دولة توغو في غرب أفريقيا وجزء من دولة غانا اليوم) في عام 1956، ثم راحت منظمة الأمم المتحدة تستخدمها في حالات مشابهه بعد ذلك. وعلى الرغم من الاستخدام الواسع للعبارة، بل وعلى الرغم من الاهتمام الشديد بعمليات المساعدة في إدارة الانتخابات والإشراف عليها ومراقبتها منذ عام 1989، لم تضع الأمم المتحدة تعريفاً متفقاً عليه للعبارة.
وبشكل عام تدور مضامين الانتخابات الديمقراطية حول معيارين رئيسيين، الأول هو “حرية الانتخابات”، أي ضرورة احترام حريات الأفراد وحقوقهم الرئيسية، والثاني هو “نزاهة” عملية إدارة الانتخابات.[9] غير أن التجارب المعاصرة للدول الديمقراطية تشير إلى أن الانتخابات الديمقراطية التنافسية لا تُجرى إلا في نظم حكم ديمقراطية، إذ هي آلية من آليات تطبيق المبادئ الرئيسية للديمقراطية، وليس هدفاً في حد ذاتها. كما تعد الانتخابات الديمقراطية شرطاً ضرورياً وليس كافياً لنظم الحكم الديمقراطية، فمجرد إجراء الانتخابات الديمقراطية لا يعني أن نظام الحكم أصبح نظاماً ديمقراطياً. ومن هنا فإن هذه الورقة تتناول هذا الموضوع من خلال الوقوف على متطلبات إجراء الانتخابات الديمقراطية من جهة ومعايير الانتخابات الديمقراطية من جهة أخرى، وذلك على النحو التالي:
أولاً:
 متطلبات الانتخابات الديمقراطية، وتتمثل في الإطار الدستوري للنظام الديمقراطي.
ثانياً:
 معيار فعّالية الانتخابات الديمقراطية، ويعني أن للانتخابات مقاصد ووظائف ويترتب عليها مجموعة من النتائج الفعلية في نظام الحكم، وليست هدفاً في حد ذاتها.
ثالثاً:
 معيار حرية الانتخابات الديمقراطية، ويتمثل في كون الانتخابات تُجرى في ظل قاعدة حكم القانون، وتتسم بالتنافسية، وتحترم الحقوق والحريات الرئيسية للمواطنين.
رابعاً:
 معيار نزاهة الانتخابات الديمقراطية، ويعني أن الانتخابات تتم بشكل دوري ومنتظم، وتتسم عملية إدارتها والإشراف عليها وإعلان نتائجها بالحياد السياسي والعدالة والشفافية.[10]
إن متطلبات الانتخابات الديمقراطية هي بمثابة الأساس لبنيان تلك الانتخابات، أما معاييرها الثلاثة فهي تمثل أعمدة ذلك البنيان، وذلك على النحو الذي يوضحه الشكل التالي:
 (الشكل رقم 1)
 متطلبات الانتخابات الديمقراطية ومعاييرها
الانتخابات الديمقراطية
فعالية الانتخابات
حرية الانتخابات
نزاهة الانتخابات
متطلبات الانتخابات الديمقراطية
مربع نص:  
أولاً- متطلبات الانتخابات الديمقراطية
 يكاد باحثو السياسة يُجمعون على أن جوهر نظام الحكم الديمقراطي هو تنظيم عملية اتخاذ القرارات وعمل مؤسسات الحكم من جهة، وتمكين المواطنين من المشاركة في عملية صنع القرارات السياسية من جهة ثانية، وتنظيم علاقة مؤسسات الحكم بالمواطنين من جهة ثالثة. وهذه الأمور الثلاثة هي ما يضمنه الإطار الدستوري لذلك النظام، أو ما يمكن تسميته “الدستور الديمقراطي”، الذي إن طُبقت نصوصه القانونية في الواقع، صار من اليسير وصف نظام الحكم بـ “النظام الديمقراطي”، بل وتسمية المواطن الذي يتمتع بالحقوق والحريات التي أقرها ذلك الإطار ويلتزم بالمسؤوليات والواجبات الملقاة على عاتقه بموجبه “المواطن الديمقراطي”.
ويمكن تلخيص مضامين ذلك الإطار الدستوري الذي يحدد المتطلبات الرئيسية للانتخابات الديمقراطية في الأسس العامة الرئيسية للديمقراطية، والتي تدور في مجملها حول:
1. تنظيم عملية اتخاذ القرارات وعمل مؤسسات الحكم من خلال الإستناد إلى مبدأ حكم القانون، أي تقييد سلطة الحكومة بدستور يخضع له الحكام والمحكومون على قدم المساواة ويوفر آليات محددة لصنع القرارات، وأخرى للمساءلة السياسية، وقيام نظام قضائي مستقل لحماية مبدأ حكم القانون وصيانة حريات الأفراد وحقوقهم والنظر في مدى دستورية القوانين. هذا فضلاً عن ضمان عدم خضوع السياسيين المنتخبين الذين يمارسون وظيفة السلطة السياسية لسيطرة أو مراقبة هيئات غير منتخبة كالمؤسسات العسكرية أو الأمنية أو الدينية، وكذا مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ووجود آليات للتوازن بين تلك السلطات.[11]            
2. تمكين المواطنين من المشاركة في عملية صنع القرارات السياسية واعتماد مبدأ التداول السلمي على السلطة السياسية وحق كافة القوى السياسية في التنافس على مقاعد الحكم، وذلك من خلال الإستناد إلى مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطة، وأن الحكومة تقوم بممارسة مظاهر السلطة بهدف تحقيق المصلحة العامة للمواطنين وليس تحقيق مصالح فئة ما أو حزب معين. ولهذا فإن حرمان الشعب من التنافس على أي من المناصب التنفيذية أو التشريعية يتناقض مع مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطة. كما أن حرمان المنتخبين من ممارسة بعض سلطاتهم يتناقض مع هذا المبدأ.
وتجدر الإشارة إلى أن مبدأ أن الشعب هو المصدر النهائي للسلطة لا يعني غياب أية مرجعيات عليا، ففي الديمقراطيات الغربية المعاصرة، على سبيل المثال، ثمة مرجعية عليا – أعلى من الدساتير – لا يستطيع النواب تجاوزها وسن تشريعات تتعارض مع مبادئها العليا وقيمها الأساسية، وهي الأفكار المذهبية الفردية (الإيديولوجية الليبرالية)، التي جاءت في مجموعة من الوثائق التاريخية كإعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي وإعلان الاستقلال الأمريكي. وتضم الآليات التي طُورت هناك بهدف وضع الضوابط اللازمة لهذا المبدأ أمرين رئيسيين، هما: وضع دساتير لا تتناقض مع المرجعية العليا التي تستند إليها تلك الدساتير، وتبني نظام للمراجعة القضائية “judicial review” يختص بالنظر في مدى دستورية القوانين وعدم تناقضها مع مبادئ وثوابت المرجعية العليا.[12]3. تنظيم علاقة مؤسسات الحكم بالجماهير على أساس رابطة المواطنة، أي تمتع كافة فئات المجتمع بكافة الحقوق والواجبات على قدم المساواة، وتساوي فرص المشاركة في عملية صنع القرارات السياسية أمام كافة المواطنين البالغين بلا أي شكل من أشكال التمييز على أساس الأصل أو اللغة أو العرق أو الدين أو المذهب أو المكانة الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية. هذا فضلاً عن وجود ضمانات لحريات الأفراد وحقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وضمانات دستورية وقانونية لحماية حريات وحقوق الأقليات والفئات الضعيفة في المجتمع. وهذا يعني أن الإطار الدستوري الديمقراطي يجعل من قاطني دولة ما مواطنين يتمتعون بحقوق وواجبات متساوية وفرصاً متكافئة للمشاركة في صنع القرارات السياسة وتولي المناصب العامة، وليسوا مجرد رعايا يتلقون قرارات الحكام وينفذونها.
 ثانياً – مقاصد الانتخابات الديمقراطية
استناداً إلى الإطار الدستوري الديمقراطي السابق الإشارة إليه، وإلى تجارب الديمقراطيات المعاصرة، فإنه يمكن القول أن الانتخابات التي تشهدها الديمقراطيات المعاصرة ليست هدفاً في حد ذاتها، وإنما هي آلية لتحقيق مقاصد أعلى.[13] ويرتبط بهذا ما يمكن تسميته “فعّالية” الانتخابات الديمقراطية، أي ما يترتب على الانتخابات من نتائج حقيقية ملموسة، أو ما تؤديه الانتخابات من وظائف فعلية في ضوء المقاصد التي من أجلها أجريت الانتخابات. ولعل أبرز مقاصد الانتخابات الديمقراطية ما يلي: (انظر الجدول رقم “1”، والذي يوضح قائمة مراجعة لمقاصد ووظائف الانتخابات الديمقراطية).    
1. التعبير عن مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطة:
 الانتخابات الديمقراطية تقوم بوظيفة التعبير عن مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات، وتنفيذ آلية التمثيل النيابي، وذلك من خلال إتاحة الفرصة أمام الناخبين لممارسة أظهر صور المشاركة السياسية في عملية صنع القرارات، وهو الاقتراع العام. وهذا يعني أن الحكومة تستند في ممارسة مظاهر السلطة إلى عنصر التفويض الشعبي، أي أن الحكم ليس حقاً إلهياً كما في النظم الثيوقراطية، وليس حقاً موروثاً كما في النظم الوراثية، كما أنه لا يتم من خلال القهر والغلبة كما في النظم العسكرية والدكتاتورية. وبهذا يتحقق الفصل بين شخص الحاكم وبين السلطة التي هي وظيفة يؤديها الحكام لحساب الجماهير وبتفويض منهم وليس مِلْكاً يتولونها بغير قبول من المحكومين. وبهذا أيضاً يمكن التمييز بين النظم الديمقراطية وغيرها من نظم الحكم المستبدة.  إن الربط بين مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطة والانتخابات يحدد الطريقة التي يستمد من خلالها الحكام السلطة من الجماهير، وكذا الطريقة التي يمكن للجماهير من خلالها ممارسة حقها في مقاومة وتغيير من لا يُعبر عن آمالها ومطالبها. كما أن هذا الربط يُمكّن الإنسان من الإحساس بقيمته كمواطن مشارك في العمل العام وفي صنع القرارات وليس مجرد متلق ومنفذ لما يقرره صناع القرار.
في المقابل يستخدم بعض الحكام في الدول غير الديمقراطية آلية الانتخابات لتحقيق مقاصد تتناقض تماماً مع هذا المقصد، أي مع جوهر الانتخابات الديمقراطية الذي هو التعبير عن إرادة الشعب، فهدف هؤلاء يكون منصباً على إضفاء ما يظنونه شرعية شعبية على حكمهم المطلق. ولعل من أبرز النظم التي تبتعد عن هذا المقصد وتستخدم في الوقت نفسه آلية الانتخابات نظم الحكم التي تأخذ العلاقة بين الحكام والمحكومين شكل العلاقة بين “السيد وتابعه”، أو ما يسمى “patron & client”. إذ أفرزت هذه النظم أنواع عدة من الانتخابات غير الديمقراطية، أبرزها ذلك النوع من التصويت الفردي الذي يقوم على إجبار الأفراد على التصويت لصالح الحكام نظير عائد اقتصادي مادي غير سياسي، مثل النبيذ كما كانت الحال في كولومبيا، أو الأطعمة والملابس كما في النيبال في الخمسينيات، أو تقديم مبلغ نقدي معين، أو توفير وظيفة أو مجرد الوعد بالوظيفة حال الانتخابات المصرية عام 2005. وثمة تصويت آخر يتسم بأنه جماعي في أغلب الأحيان، وفيه تُنظم السلطة الحاكمة رحلات جماعية لفئات من المجتمع بغرض توجيهها نحو التصويت لصالح الحكام، وغالباً ما يصحب هذا النوع من الرحلات تقديم هدايا صغيرة، وذلك كما كانت الحال في البرازيل قبل عام 1964.[14] وفي الحالتين لا تعبر الانتخابات عن إرادة الشعب أو اختيارات الناخبين ولا عن آراء فردية، وإنما تعكس حقيقة العلاقة بين الحاكم والمحكوم القائمة على التبعية المطلقة المستندة إما إلى خوف المشاركين (أو المدفوعين إلى المشاركة) من تنكيل السلطة وبطشها، أو تطلعهم إلى الحصول على مكسب مادي أو معنوي من جرّاء مشاركتهم. إنّ العنصر الحاكم لتلك المجتمعات هو عنصر الخوف والإكراه أو الطمع في مكاسب مادية أو معنوية، وليس الرضا والإقناع والعمل من أجل الصالح العام.
ويرتبط مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات بحق الشعوب في تقرير مصائرها وتحديد من يحكمها عبر صناديق الانتخاب دون تأثير مباشر أو غير مباشر من أي فرد أو مجموعة من الأفراد من داخل المجتمع أو من أية قوة أو هيئة خارجية. ولهذا فإن محاولات بعض القوى الدولية التأثير في نتائج الانتخابات في دول أخرى أمر يتنافى مع مبدأ الانتخابات الديمقراطية، من ذلك، مثلاً، محاولة الولايات المتحدة الأمريكية التحديد المسبق لنتائج صناديق الاقتراع في بعض الدول العربية بحيث تستبعد بعض التيارات، بل ومقاطعتها لحكومة السلطة الفلسطينية التي شكلتها حركة حماس في أعقاب فوزها بالأغلبية في انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في يناير 2006.
2. اختيار الحكام:
 توفر الانتخابات الديمقراطية الطريقة التي  يتم من خلالها اختيار الحكام بتفويض شعبي، وذلك من خلال انتقال السلطة إلى المرشحين الفائزين في الانتخابات، وذلك فيما يتصل برئاسة السلطة التنفيذية أو أعضاء المجالس التشريعية النيابية، أو الاثنين معاً، وذلك وفقاً للقواعد ذات الصلة في النظامين السياسي والانتخابي. فعلى سبيل المثال، تفرز الانتخابات في الديمقراطيات الغربية المعاصرة سلطة تشريعية تكون مسؤولة أمام هيئة الناخبين وسلطة تنفيذية تكون مسؤولة إمّا أمام الناخبين مباشرة – كما منصب رئيس الجمهورية في النظم الرئاسية وشبه الرئاسية –  أو أمام هيئات نيابية منتخبة كما الحال بالنسبة للوزارات في النظم البرلمانية أو شبه الرئاسية. هذا فضلاً عن اختيار المسؤولين بالانتخاب في بعض المجالس الإقليمية والمحلية في جُل الديمقراطيات المعاصرة. وفي النظم البرلمانية ذات نظام الحزبين الكبيرين، يُعد اختيار المجلس النيابي بالانتخاب اختياراً غير مباشر للسلطة التنفيذية، فزعيم الحزب أو الكتلة التي تحظى بالأغلبية في المجلس النيابي يكون المرشح لمنصب رئيس الوزراء، وذلك كما الحال في النظام البريطاني.[15] وفي الديمقراطيات المعاصرة لا يُفترض بالضرورة أن يقوم نواب المجالس النيابية بالعمل وفقاً لرغبات محددة للناخبين، إذ أن جوهر عملية الانتخابات هو ما يسمى نظرية التفويض العام “popular mandate”، أي تفويض هؤلاء النواب قدراً كافياً من السلطة لاقتراح سياسات واتخاذ قرارات، وذلك تبعاً للأوضاع والمتغيرات التي يواجهونها أثناء فترة عملهم كنواب عن الشعب، وبغرض تحقيق ما يرونه متوافقاً مع المصالح العامة للناخبين.[16]وتضمن المجالس التشريعية النيابية – التي تأتي بها الانتخابات الديمقراطية – التعددية السياسية، وذلك من خلال تمثيل كافة التيارات السياسية الرئيسية في المجتمع وتمثيل أفضل للنساء والأقليات في الدول ذات التعددية العرقية أو اللغوية أو الدينية، وذلك وفقاً لقواعد النظامين السياسي والانتخابي المعمول بهما في الدولة. وذلك على عكس الحال في الانتخابات التي يجريها الحكام المستبدين في النظم غير الديمقراطية التي غالباً ما تنتج هيمنة شبه مطلقة في البرلمانات من قبل الحزب الحاكم (أو بالأصح “حزب الحاكم”[17]) أو الجبهة الحاكمة وذلك حال انتخابات سنغافورة وكوريا الشمالية ومصر وتونس وسوريا.
3. تسوية الصراعات السياسية بطرق سلمية:
 توفر الانتخابات آلية للتداول على السلطة وتغيير مركز القوة وإمكانية تقلد قوى المعارضة – حال فوزها في الانتخابات – الحكم بدلاً من الحكومة القائمة.[18] أي أن الانتخابات هي آلية لتسوية الصراعات السياسية في الدولة الحديثة بطرق سلمية، وهي تؤدي إلى قبول كافة المتنافسين على المناصب السياسية المختلفة نتائج الانتخابات والتسليم بشرعية الفائزين، ولاسيما المتنافسين الخاسرين في الانتخابات. ولذا فالنظام الديمقراطي لا يسمح بتغيير الحكومات بطرق غير الاحتكام إلى أغلبية أصوات الناخبين، كالانتقال العنيف للسلطة بانقلاب عسكري أو ثورة مسلحة بشكل مباشر، كما لا يمكن إقصاء حكومة جاءت باختيار الناخبين في انتخابات حرة ونزيهة بشكل غير مباشر كما دأبت المؤسسة العسكرية التركية على القيام به أكثر من مرة، وحال ما قام به الجيش في الجزائر مطلع التسعينيات من القرن الماضي.
أما في النظم غير الديمقراطية، فتتسم الانتخابات بأن نتائجها تكون معروفة مسبقاً، وليس ثمة إمكانية لتغيير مركز القوة السياسية، وذلك ليس لثبات آراء الناخبين وإدراكهم للبدائل المطروحة، وإنما نتيجةً للآليات التي يُطورها الحكام للتأثير على أصوات الناخبين إن بالترهيب والعنف ومنع الناخبين من الإدلاء بأصواتهم، أو بالترغيب وشراء الأصوات، أو بالتلاعب في نتائج الانتخابات، أو بالتشبث بالسلطة وتجاهل مقصد التداول على السلطة بحجة عدم وجود بديل صالح للحكم أو إدعاء معاداة قوى المعارضة لمبادئ الديمقراطية وذلك كما الحال في أكثر من بلد عربي. وهذا كله يتناقض تماماً الديمقراطية التي عرّفها شومبيتر على أنها إعطاء الناس فرصة قبول أو رفض الحكومة القائمة.[19]4. توفير الشرعية السياسية أو تجديدها:
 فالانتخابات تقوم بوظيفة توفير شرعية شعبية للحكومة المنتخبة أو تجديد شرعية الحكومة القائمة. فعن طريق الانتخابات الديمقراطية يصل إلى مواقع صنع القرار أولئك الذين يحظون بقبول الناخبين.[20] فالشرعية تستند في النظم الديمقراطية إلى أن الحكومة المنتخبة تعمل في إطار المبادئ الديمقراطية وتخضع لإرادة الشعب من خلال آلية الانتخابات التنافسية والدورية. وهذا بالطبع بجانب وسائل أخرى حال وجود إطار دستوري يحترمه الجميع، وآليات لمساءلة المسؤولين ومحاسبتهم، وآليات للمشاركة السياسية، وصحافة حرة ومستقلة، واستقلال قضائي، والتمتع باستقرار سياسي واقتصادي. كما توفر الانتخابات الديمقراطية آلية لتجديد شرعية الحكومات القائمة، فحكومات الدول الديمقراطية قد يعتريها الضعف مع مرور الوقت، ومن ثم تحتاج إلى تجديد شرعيتها وسط ناخبيها. وهنا يستطيع النظام الديمقراطي – عن طريق آلية الانتخابات التنافسية الدورية – أن يُجدد شرعية الحكومات القائمة ويعزز من الدعم الذي يوفره الناخبون لمَنْ هم في مواقع صنع القرار. إنه التجديد الذاتي لشرعية النظام الديمقراطي عن طريق الانتخابات الديمقراطية.[21]

وهذا عكس الحال في النظم غير الديمقراطية التي طوّر حكامها أساليب عدة لإضفاء شرعية غير حقيقية على حكمهم المطلق، ومن هذه الأساليب نظام الحزب الواحد الذي تطبقه الصين وكوريا الشمالية اليوم، وطبقته المكسيك إبان حكم الحزب الثوري حتى عام 2000 وغيرها من دول المنظومة الاشتراكية وبعض الدول العربية، وحال التستر وراء إصلاحات اقتصادية لتأجيل الإصلاح السياسي، أو التستر وراء أفكار إيديولوجية أو قومية أو صراعات خارجية،[22] أو حتى اللجوء إلى وسيلة الانتخابات ذاتها. ولا شك أن حاجة كل نظم الحكم إلى قدر معين من الشرعية هي التي تدفع الحكام غير الديمقراطيين إلى ابتداع تلك الأساليب للحصول على ذلك القدر من الشرعية وسط شعوبهم.
5. محاسبة الحكام:
 للانتخابات مقصد هام هو محاسبة الحكام ومساءلتهم وقت الانتخابات إنْ من خلال تقويم برامج المتنافسين قبل الانتخابات، أو عن طريق مكافأة، أو معاقبة، السياسيين إذا ما أرادوا الترشح للمرة الثانية. وهذا المقصد يُعد واحداً من أبرز مقاصد الانتخابات الديمقراطية في النظم النيابية المعاصرة، وأحد الآليات الرئيسية التي يمكن من خلالها التأكد من أن الحكومة المنتخبة تستجيب بانتظام لمطالب الناخبين وترعى مصالحهم المختلفة. وقد اهتم الكثير من خبراء السياسة بمناقشة مجمل الجوانب المتصلة بالمساءلة الانتخابية، أي مساءلة الحكام عن طريق إجراء انتخابات حرة ونزيهة بصفة دورية، وجعْل بقائهم في مواقعهم مرهون بأصوات الناخبين في تلك الانتخابات.[23]ولأن هذا النوع من المساءلة يعد محاسبة للمسؤولين عما فعلوه في السابق أو”hoc measure–post”، فإن آلية المحاسبة هي انتخابات التجديد أو الحصول على فترة جديدة وليس الانتخابات نفسها. ولهذا فالمساءلة هي أحد الأسباب الأساسية وراء السماح بحق الترشح لأكثر من فترة واحدة في جُل المناصب السياسية التي تتم بالانتخاب، إذ أن مقصد المساءلة لن يكون ممكناً بغير هذا الحق.[24] وبجانب هذا النوع من المساءلة ثمة وسائل تستهدف مساءلة الحكام قبل اختيارهم، كأن يخضع المتنافسون على منصب ما لتقدير وحكم الناخبين قبل إجراء الانتخابات من خلال وعودهم الانتخابية وحملاتهم الدعائية والانتخابية. كما أن ثمة حالات يُلزم فيها القانون الحكام باستشارة الناخبين عن طريق الاستفتاءات قبل اتخاذ القرار، وذلك حال القرارات المتصلة بتعديل الدستور أو حال بعض القرارات المصيرية كالانضمام إلى (أو الانسحاب من) تكتل إقليمي أو منظمة دولية، وغير ذلك.[25]6. التجنيد السياسي:
 تقوم الانتخابات الديمقراطية بدور تعبوي عام، فهي مصدر رئيسي من مصادر التجنيد السياسي ووسيلة هامة من وسائل المشاركة السياسية. ففي النظم الديمقراطية المعاصرة عادة ما يقوم السياسيون وقادة الأحزاب والكتل الانتخابية بمهمة اختيار المرشحين للمناصب السياسية وإعداد البرامج السياسية لمواجهة المشكلات والتحديات العامة التي تواجهها مجتمعاتهم. ولذا فالانتخابات تلعب دوراً محورياً في إعداد وتدريب السياسيين والقادة وتأهيلهم لمناصب أعلى الأمر الذي يُسهم في تجديد حيوية المجتمع ويضمن مشاركة عناصر جديدة في وضع السياسات وصنع القرارات.
وعلى العكس من ذلك نجد المجتمعات التي لا تجرى فيها انتخابات ديمقراطية غير قادرة على تجديد حيوية المجتمع ولا الدفع بعناصر جديدة إلى مواقع صنع القرارات، إذ يظل المجتمع لفترات طويلة تحت سيطرة حزب أو جماعة ما أو حتى دكتاتور فرد، فتفقد أجيال بالكامل الفرصة في المشاركة في العمل السياسي وصنع القرار. وما الانتخابات التي يجريها الحكام في بعض تلك المجتمعات تحت مسمى “الانتخابات البرلمانية” أو حتى “الانتخابات الرئاسية” إلا وسيلة للسيطرة من خلال ترشيح الموالين والأتباع وضمان فوزهم بعد التلاعب بقوانين وإجراءات الانتخابات في جميع مراحلها بدءاً من الترشيح ومروراً بالتصويت وانتهاءً بفرز النتائج وإعلانها. وليس من المستغرب والحال هكذا أن ينحصر دور هؤلاء على تبرير تصرفات الحكام وسن القوانين التي تضمن لهم البقاء في الحكم واستمرار سيطرتهم على مقاليد الأمور. إن هذا النوع من الانتخابات ليس وسيلة للتجنيد السياسي والمشاركة السياسية وإنما هو أداة للسيطرة على المجتمع وحرمانه من تجديد ذاته، وللحيلولة دون بروز سياسيين وقادة جدد يتنافسون على مواقع السلطة.      
7. التثقيف السياسي:
تقوم الانتخابات الديمقراطية بدور تثقيفي عام، فهي تشارك – مع وسائل وقنوات أخرى – في تثقيف المواطنين بالمسائل المتصلة بالعمل العام والشؤون السياسية قبل وأثناء عملية الانتخابات، وذلك من خلال إذاعة وإعلان البرامج المختلفة للمرشحين والأحزاب، ومواد الدعاية الانتخابية خلال فترة الانتخابات، الأمر الذي يتيح الفرصة أمام الجماهير للإطلاع على ومناقشة المشكلات والتحديات التي يواجهونها. ولذا ففي الدول الديمقراطية المعاصرة هناك علاقة طردية بين مستوى الوعي والثقافة والتعليم من جهة ومستوى المشاركة في الانتخابات من جهة أخرى.
وعلى العكس من ذلك تجد تلك العلاقة سلبية في الكثير من الدول غير الديمقراطية، فالانتخابات لا تُجرى على أساس الأفكار والبرامج السياسية التي تعالج الشأن العام، وإنما على أساس الأشخاص وأداء الخدمات والمصالح الشخصية. ولهذا يعزف المتعلمون والمثقفون عن المشاركة فيها، وتؤدي الانتخابات أشكالاُ أخرى من الوظائف. ففي مصر، على سبيل المثال، هناك عبارة “نائب الخدمات” تعبيراً عن الخدمات والتسهيلات التي يقوم بها النواب بمجرد تقلدهم لمهامهم في البرلمان لأبناء دائرتهم ومعارفهم.
 (جدول رقم 1)
قائمة مراجعة لمقاصد/ وظائف الانتخابات الديمقراطية ونتائجها
هل الانتخابات تُشكل آلية للتمثيل السياسي المعبر عن مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات؟
هل تم اختيار الحكام من خلال عملية اقتراع عام؟ وهل المناصب العليا المتصلة بصنع القرارات السياسية يتقلدها مسئولون منتخبون؟
هل تضمن الانتخابات التداول على السلطة وتغيير الحكومات بطرق سلمية؟ وهل للمناصب السياسية العليا فترات زمنية محددة؟
هل هناك ضمانات حقيقية للحيلولة دون أن يقوم الحكام بتأجيل أو إلغاء انتخابات محددة سلفاً بغير رغبة أغلبية الناخبين؟
هل أفضت الانتخابات إلى ظهور سلطة تنفيذية مسئولة بشكل مباشر أمام هيئة الناخبين، أو بشكل غير مباشر أمام مجلس نيابي منتخب؟
هل أفضت الانتخابات إلى ظهور مجلس نيابي يضمن التعددية السياسية عن طريق تمثيل كافة التيارات الرئيسية في المجتمع؟
هل تم تمثيل الأقليات والمرأة في الهيئات الحاكمة بطريقة تعكس حقيقة التوزيع السكاني للمجتمع؟
هل قبلت كافة الأحزاب المتنافسة وكذا المرشحون المتنافسون نتائج الانتخابات؟
هل تتمتع الحكومات المنتخبة بتفويض شعبي من المحكومين ومن ثم بشرعية شعبية، أو هل أدت الانتخابات إلى تجديد شرعية الحكومة القائمة؟
هل تُستخدم الانتخابات كوسيلة لمحاسبة الحكام ومساءلتهم؟
هل تُستخدم الانتخابات كوسيلة للتجنيد السياسي وتأهيل السياسيين للمشاركة في مواقع صنع القرار السياسي؟
هل تُستخدم الانتخابات كوسيلة لتثقيف المواطنين وإتاحة الفرصة لهم للإطلاع على قضاياهم المختلفة والحلول المقترحة لمواجهتها؟
هل هناك ضمانات للحيلولة دون محاولة قوى داخلية أو خارجية التأثير في نتائج الانتخابات؟
هل هناك ضمانات للحيلولة دون أن تستخدم الانتخابات كأداة لتحقيق وظائف أخرى غير تلك التي تقوم بها في النظم الديمقراطية؟
ثالثاً: معيار “حرية” الانتخابات
يعنى معيار “الحرية” احترام الحقوق والحريات السياسية الرئيسية كحرية الحركة، وحرية التعبير، وحرية الاجتماع، وحرية المشاركة في التصويت، وغيرها، والواردة في مجموعة من الوثائق والاتفاقات الدولية،[26] وعدد من الوثائق الإقليمية.[27] وهذه الحريات تتفق مع الأمور التي اعتبرها دال شروطاً مسبقة لما أسماه البولارشية. أي أن معيار “حرية” الانتخابات يُشكل، في نفس الوقت، أحد متطلبات الانتخابات الديمقراطية.[28] وفي تصورنا فإنه يمكن أن نضيف إلى تلك الحريات والحقوق بعديْن جديدين: الأول أن تُجرى الانتخابات في ظل حكم القانون، والثاني أن تتسم الانتخابات بالتنافسية. (انظر الجدول رقم “2” الذي يتضمن قائمة مراجعة لمعايير حرية انتخابات الديمقراطية).
1. احترام مبدأ حكم القانون:
 لعل أول وأبرز معايير حرية الانتخابات الديمقراطية في النظم الديمقراطية أن تلك الانتخابات لابد أن تحترم مبدأ حكم القانون”rule of law”، الذي يعني أن ممارسة السلطة بشكل شرعي لا يتم إلا من خلال خضوع القائمين عليها والمحكومين على قدم المساواة إلى قانون مسبق. إنه مبدأ سيادة القانون بدلاً من سيادة الملوك والأمراء، وطاعة القانون بدلاً من الامتثال لقرارات الأفراد. ويعد هذا المبدأ من أبرز السمات التي أظهرت صورة الدولة المعاصرة على غيرها من صور المجتمعات الإنسانية، وهو أداة لتفادي استبداد الحكام بالسلطة، ووسيلة لردع أي تدخل في حريات الأفراد من قبل السلطة.[29]ومما لا شك فيه إن خضوع الحكام والمحكومين على قدم المساواة لقانون مسبق هو اللبنة الأولى في عملية الانتخابات الديمقراطية التنافسية. فمن مقتضيات مبدأ حكم القانون أن تُجرى الانتخابات التنافسية في ظل قانون مسبق يحدد بوضوح واجبات وحقوق المواطنين، حكاماً ومحكومين، ويُرسي القواعد التي على أساسها يتم إجراء الانتخابات بدءاً من تحديد مَنْ يحق له الترشح، وكيف يمكن التقدم للترشح، مروراً بالقواعد التي تُنظم الحملات الانتخابية من النواحي الإدارية والقانونية والمالية والإعلامية، وتلك التي تُنظم حق الاقتراع وأماكنه وكيفيته، وانتهاءً بالمسائل المتصلة بتنظيم يوم الانتخابات، والإدلاء بالأصوات، وفرز الأصوات وإعلانها، وتمكين الفائزين من تقلد مناصبهم في الهيئات النيابية. ومبدأ حكم القانون يصون حريات وحقوق الأقليات، ويقف بالمرصاد لأية ممارسات تتسم بالتمييز على أساس اللغة أو العرق أو الأصل أو الدين أو المذهب أو المكانة الاجتماعية، الأمر الذي يحقق الاستقرار ويجنب النظام مظاهر العنف الذي غالباً ما تجتاح المجتمعات التي لا تقوم على مبدأ سيادة القانون أو يُطبق فيها القانون بازدواجية تضر بحريات وحقوق الأقليات أو فئات معينة.
وقد أفرزت بعض تجارب التحول الديمقراطي في العقدين المنصرمين حالات لدول أجرت انتخابات ديمقراطية تنافسية قبل إنشاء المؤسسات الرئيسية للدولة الحديثة مثل حكم القانون، مؤسسات المجتمع المدني، استقلال القضاء، حكم مقيد بدستور عصري، وذلك حال ما حدث في روسيا الفيدرالية في التسعينيات من القرن العشرين، فمع ضعف مؤسسات الدولة استطاع الرئيس – المنتخب ديمقراطياً – أن يجمع سلطات واسعة في يده. وفي أفريقيا أدى ضعف مؤسسات الدولة المدنية وغياب حكم القانون إلى وجود تهديدات عدة للتجارب الديمقراطية الناشئة يأتي على رأسها تدخل الجيش وتدني معدلات الدخول وتفشي المشكلات العرقية والحدودية والحروب الأهلية.[30] وثمة انتخابات قد يصفها البعض بالديمقراطية، بيد أن هناك فئات أو جماعات معينة تخضع لتمييز عنصري دون غيرها من الفئات والجماعات استناداً إلى القانون ذاته أو إلى الممارسات الفعلية للقائمين على القانون. فانتخابات جنوب أفريقيا إبان الحكم العنصري كانت توصف بأنها ديمقراطية في مؤشري قياس الديمقراطية   “Polity IV” و”Freedom House”، وغيرهما من مؤشرات قياس الديمقراطية.[31] كما أن إسرائيل، التي توصف بأنها ديمقراطية في تقارير ذينك المؤشرين أيضاً، يعتبرها بعض الباحثين الإسرائيليين والغربيين والعرب بعيدة تماماً عن المعايير الحقة للديمقراطية، وذلك بالنظر إلى حالة الأقلية العربية في إسرائيل.[32]   
2. احترام مبدأ التنافسية:
 أي وجود تنافس حقيقي بين مرشحين متعددين أو برامج مختلفة. ويتضمن هذا المعيار أمرين رئيسيين، هما: المعيار الكمي الصرف وهو ضرورة ألا تقتصر الانتخابات على مرشح واحد فقط، كما كانت الحال مع النظم الماركسية ذات نظم الحزب الواحد في الإتحاد السوفيتي السابق ودول شرق أوروبا والعديد من دول أفريقيا وآسيا قبل موجات التحول في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.[33] وقد أفرزت بعض التجارب انتخابات ذات مرشحين متعددين، لكن دون أن تُترك للناخبين حرية الاختيار من بين بدائل حقيقية، إذ تمارس السلطة أنواعاً متعددة من الترغيب، أو الترهيب، أو التزوير، بُغية ضمان فوز مرشحي تيار الحكومة فقط، وذلك كما كان.