الرئيسية / وجهات نظر / اتفاق الصخيرات يجب أن ينجح
إبراهيم-الفقيه

اتفاق الصخيرات يجب أن ينجح

المصالحة ابنة التنازلات، ولا وجود لاتفاق بين أطراف متنازعة دون أن يقطع كل طرف جزءا من الطريق، من أجل الوصول إلى نقطة الالتقاء والتوافق، تاركا بعض مطالبه جانبا، ومتنازلا عن بعض شروطه.
من هنا أقول إن الوصول بالمفاوضات، التي ترعاها الأمم المتحدة حول الأزمة الليبية، إلى مرحلة التوقيع بالأحرف الأولى من قبل أطراف النزاع، يشكل مكسبا لا يجب الرجوع عنه، أو التهوين من شأنه، وعلامة على الطريق لا نتمنى أن نرى نكوصا عنها، ومرحلة أولى قطعتها البلاد نحو حل أزمتها، يمكن اعتبارها خطوة البداية على طريق الألف ميل.

المزيد: تفاؤل ليبي كبير بنتائج حوار الصخيرات حول الوضع في ليبيا

إنه بالتأكيد طريق طويل نحو إنجاز مشروع الدولة وبناء مؤسساتها الدستورية، بدأ من هذا التوافق الذي حصل في الصخيرات، وصولا إلى إنهاء كل مشاكل العبور من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة التأسيس لدولة القانون وإقامة المجتمع المدني، والأخذ بروح العصر وقيم الحضارة الحديثة، كما يريد ويتمنى كل إنسان انخرط في ثورة 17 فبراير وحقق انتصارها وعانق أهدافها ومبادئها.
لقد توفر لهذا الاتفاق الذي تم إنجازه في الصخيرات مجموعة من مؤهلات النجاح يصعب أن تتوفر لمثل هذه المفاوضات في أولى مراحل التوافق. أولها تأييد دولي منقطع النظير، من كل القوى الدولية والإقليمية، واحتضان وحماس وتأييد من الهيئة الأممية وأمينها العام ومجلس الأمن الدولي، الذي وعد بتسهيل إنجاح الاتفاق وإنهاء الأزمة والوصول بنتائج المفاوضات إلى بر الأمان، ووعود من أطراف دولية، بينها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، بتقديم الدعم والعون إلى ليبيا عندما تنتهي من هذه الأزمة، وتباشر بناء الدولة، في تقديم كل أنواع العون والمساعدة التي تكفل النجاح لحكومة الوحدة الوطنية التي يتم تشكيلها بعد المصالحة
وتوفر لهذا الاتفاق تأييد شعبي عارم، من كل فئات المجتمع الليبي، فجميع الليبيون يتطلعون ليوم تنتهي فيه الخلافات التي هددت أمنهم وأشرفت على تقسيم بلادهم. بل أستطيع أن أقول إن ما حدث من احتراب وصراع يتوقف ثم يتجدد، كان آخر جولاته تلك التي انطلقت مع ظهور حركة قسورة وفجر ليبيا في منتصف شهر رمضان العام الماضي، كلها احتراب لا قاعدة شعبية له وإنما هي حروب ميليشيات مسلحة، ليس للشعب ذرة مصلحة فيها، بل بالعكس كان هو المتضرر.
فهو إذن صلح يرحب به كل الليبيين، ويجمعون على احتضانـه وإنجاحه، ويتمنون للمجتمع الدولي أن يقدم له الحماية والضمانات لتطبيقه على أرض الواقع.
نعم هناك فصيل ضمن من حضروا مباحثات الصخيرات، امتنع حتى الآن عن التوقيع، وهو فصيل كان قد اخترع لنفسه كيانا مفتعلا، وأعاد من مدينة الموتى مؤتمرا وطنيا، صنع من رفاته فزاعة أو عودا مكسوا بالخرق البالية يسمى”خيال المآتة”، لإفزاع الطيور في الحقل، وصار هذا الدمية الخشبية، ملمحا من ملامح واقع مريض كسيح، ولابد من علاجه، آملين أن يكون لدى الهيئة الأممية التي ترعى الحوار وسائل علاج لهذه العلة، أو استئصال لهذا الدمل، أو إعطاء هذا العليل من الأدوية والمسكنات ما يعطل تفاعل المرض لديه، فلا يتحول إلى عامل توتر وإزعاج وإفساد للمصالحة.
أعرف أن هناك أصواتا كثيرة، ارتفعت باسم النخوة الليبية ومصلحة البلاد والضمير الوطني، تخاطب هذا المؤتمر، وتطالبه أن يأتي إلى كلمة سواء، وأن يلتحق بالمصالحة والتوافق، وألاّ يشذ عن الإجماع الذي حصل في الصخيرات، ولكن هذه الأصوات كانت تقع على آذان صماء وترفع أيدي الرجاء لأعين عمياء، لأن هذا الجسم مصنوع من عظام رميم. فلعل أسلوب الصدمات الكهربائية ينفع في بث شيء من الحياة في هذا الجسم الميت، ولعل العقوبات والمحكمة الدولية الجنائية وإجراءات مجلس الأمن التأديبية تأتي بنتيجة أكثر مما تأتي به الأصوات التي تستنهض الضمير وحق الوطن.

المزيد: مجلس الأمن أنصف المغرب بخصوص قضية الصحراء

أعرف أيضا أن هناك ملاحق يمكن أن تتضمن بعض التفاصيل التي ترضي الجانب المتخلف عن التوقيع كي يلحق بالركب، كما أن بعضها قد يجدد الخلاف ويعرقل المسيرة نحو إنهاء النزاع، إذا لم تتم معالجتها بحكمة وصبر وروح وطنية، تتعالى عن أي مصالح إلا صالح الوطن، فهي لحظة فارقة وفاصلة في تاريخ ليبيا الحديث، من تلك اللحظات التي يسميها التعبير الأجنبي لحظات الكسر أو الجبر؛ وبلادنا لا تتحمل مزيدا من تكسير العظام، وإنما جبرها وإصلاح المعلول منها، لكي تستطيع أن تسير على قدمين سليمتين باتجاه صناعة المستقبل.

*كاتب ليبي/”العرب”