الرئيسية / وجهات نظر / تونس… عدالة في المزاد العلني
MAHDI MABROUK

تونس… عدالة في المزاد العلني

بعرضه على مجلس الوزراء التونسي، في الأيام القليلة الفارطة، لم يعد مشروع القانون الأساسي، الذي سيمنح العفو للفاسدين من رجال الأعمال وإطارات الإدارة العمومية المرتشين والمتلاعبين بالصفقات العمومية والمتهربين من دفع الضرائب، مجرد وعد قطعه على نفسه رئيس الجمهورية، الباجي قائد السبسي، بعيد حملته الانتخابية الرئاسية، بل أصبح الأمر فعلا قانوناً قيد الإنجاز، حسب ما تدل عليه المؤشرات الحالية. ففي فصوله الاثني عشر يتعرض مشروع القانون إلى إعفاء تلك الفئات الثلاث من المحاسبة القضائية، ويضع شروطاً، هي من باب ذر الرماد على العيون، ليجد ما به يبرر أخلاقياً هذا الاستثناء المخجل.
بهذا يخرج هذا القانون المقترح تلك الفئات الثلاث من قانون العدالة الانتقالية، ويمنحها الغفران باسم المصالحة طوراً، والمصلحة الوطنية طورا آخر. وهكذا، لن تتم المحاسبة مطلقا وتمر البلاد تحت الغصب القانوني الفاقد للمشروعية الأخلاقية إلى عدالة انتقائية تتم على المقاس.
يأتي هذا المشروع في سياقات صعبة على جميع المستويات: اقتصاد شبه مشلول، خصوصا مع قطاع سياحي منكوب، تحت وطأة العمليات الإرهابية الأخيرة، وإدارة عمومية ينخرها، أكثر من أي وقت مضى، فيروس الفساد واللامبالاة واستثمار داخلي وخارجي منكمش ومناخ أمني متوتر، سمته الإرهاب الذي نزل من الجبال إلى المدن والسواحل والمرافق المدنية في سابقة نوعية خطيرة.
بقطع النظر إن كانت لتلك الفئات الثلاث المتهمة بالفساد من رجال أعمال وكوادر عليا من موظفين عموميين، أو المتهربين من الضرائب، مسؤولية مباشرة، أو غير مباشرة، في إحداث هده الوضعية، فإنهم قد استفادوا منها وأحسنوا توظيفها، إلى حد أصبح فيه إعفاؤهم من المحاسبة “مصلحة وطنية، تقتضيها المرحلة الحرجة التي تمر بها البلاد”. هل اشتهوا حلول الكارثة أم صنعوها؟ لا ندري حقيقة الأمر. ولكن، لا يمكن استبعاد تورط بعضهم مع مصالح ولوبيات كان لها الدور الحاسم في ما آلت إليه تونس حاليا.
تستغل الحكومة حاليا كل المآسي المستجدة والمزمنة، لتقنعنا بصحة هذا القرار، وأن هذا الشروع هو العصا السحرية. مكافحة البطالة والفقر والإرهاب والأوبئة والتصدي للدسائس والمؤامرت الخارجية والداخلية تقتضي، حسب رأيها، إعفاء هؤلاء من المحاسبة، لتحقيق وحدة وطنية تستند إلى المصالحة. وحتى في كيفية اختيار التوقيت، لتمرير مثل هذه القوانين الأكثر شبهة تستند الحكومة، ومن دون اجتهاد كبير، أيضاً، إلى ما كانت قريحة النظام السابق تفتحت عليه عند اختيار الصيف بجميع دلالاته التونسية: موسم الدعة والعطل والأفراح والمسرات التي فيها تتحلل كل أشكال التعبئة العمومية. الجميع ينثني على الاهتمامات والمصالح الشخصية. حالة التحلل تلك والارتخاء، للأسباب المعلومة، تسعى الحكومة إلى استثمارها، لتمرير قوانين من حجم ثقيل على غرار: قانون المالية التكميلي وقانون الإرهاب وقانون تجريم الاعتداء على قوات الأمن… إلخ.
هل تحتاج الدولة فعلاً إلى ما يقارب أربع مائة شخص ممن استغلوا مناصبهم الإدارية العليا للإثراء الفاحش، بالرشوة والصفقات المشبوهة؟ لا أعتقد. ولكن، قد تحتاج الحكومة الحالية، و”نداء تونس” خصوصاً، إليهم لزرعهم في المواقع المتقدمة، وقد عاد بعضهم فعلا، وذلك لمزيد بسط هيمنته على الإدارة التونسية وإلحاقها من خلال أخطر أشكال الزبونية السياسية المستحدثة عبر بيع صكوك الغفران لهم، فيبدو وكأنه ولي نعمتهم الأوحد. سيشكل هؤلاء، إن عادوا، كتيبة أمامية مزروعة في مفاصل الإدارة العمومية، مستعةد لتقديم خدمات الطاعة والولاء في جيش من الموظفين العموميين، يحتاجون، بدورهم، إلى عقلنة ممارساتهم، وفق معايير الشفافية والعقلانية المفقودين إلى حد كبير حالياً.
لا تكمن خطورة هذا المشروع في استدامة منظومة الفساد والاعتداء الأخلاقي على مشمولات العدالة الانتقالية التي ستجبر المشرع على تنقيح قانونها الخاص فحسب، بل تكمن الخطورة، أيضاً، في جملة الرسائل البيداغوجية السلبية التي نبعثها للأجيال المقبلة، والتي ستفيد، لا محالة، وبقطع النظر عن تفاصيل تلقيها أن الأثرياء والمتنفذين بإمكانهم أن يشتروا صكوك الغفران، من دون المرور بالعدالة، أو حتى مجرد الاعتذار، لأن لهم مالاً وفيراً ونفوذاً كبيراً. بالمال، تستطيع شراء براءتك، والبقية تفاصيل صغيرة، سيختلف مؤرخو الراهن في سردها، بحسب مواقعهم من الخريطة السياسية، هم أيضاً، على الرغم من وعد الحياد الذي يقطعونه على أنفسهم.
كيف ستكون ردود أفعال الطبقة السياسية والمجتمع المدني عموماً. لا أعتقد أن ردود الأفعال ستكون قادرة حقيقة على تعطيل ذلك المشروع، لأسباب عديدة، تكمن أساساً في خشية الجميع من أن يعاقبهم “نداء تونس” عبر مفاعيل التهميش السياسي والتأليب الإعلامي عليهم، وهو عملته النادرة التي عليها يستحوذ وحيداً، ناهيك عن خصائص التوقيت التي أشرنا إليها سابقاً، إذ بالإمكان أن تستثمر الحكومة إعلان حالة الطوارئ مبرراً إضافياً للضغط على المستوى الأخلاقي لصالح المشروع. كما علينا ألا ننسى لعبة المصالح الحزبية وتبادل المنافع التي يحسب لها مختلف الفرقاء السياسيين ألف حساب، وهم يحددون موقفهم من هذا القانون، بمن فيهم أكثر أدعياء الثورية أو الطهرية.
سيكون موقف “النهضة” بليغاً بشكل خاص، للبرهنة على أنها منتصرة، إلى حد أدنى من الأخلاق السياسية، فضلا على أن مسؤوليتها أكبر من غيرها، بحكم ثقلها في مجلس نواب الشعب. كل المؤشرات الظاهرة تذهب في اتجاه متشائم. وتبرر “النهضة” كل ذلك بالتكتيك الذي يفرض عليها الانحناء للعاصفة الهوجاء، حتى لا تنكسر. ولكن، من فرط الانحناء قد لا تستوي لنا قائمة من جديد.

*وزير سابق/”العربي الجديد”