الرئيسية / وجهات نظر / الغياب المغاربي عن الصفقة مع إيران
محمد الاشهب

الغياب المغاربي عن الصفقة مع إيران

تجاهل الأميركيون والأوروبيون في سعيهم لتسويق اتفاق مجموعة خمسة زائداً ألمانيا مع إيران، أن هناك منطقة من غير الشرق الأوسط مهتمة بمآل الترتيبات الجديدة. وعلى رغم أن الإدارات الأميركية المتعاقبة اهتمت بوضع الشمال الأفريقي والشرق الأوسط في خانة متلازمة، لا يبدو أن واشنطن تفكر في إيفاد مبعوثين إلى عواصم الشمال الأفريقي، مع أن الأخيرة تراقب ملف العلاقات بين إيران والدول الغربية، من منظور لا يقل عن المخاوف السائدة في جهات أخرى.
أضاعت الدول المغاربية فرصة سانحة عندما ذهبت العواصم الخليجية إلى كامب ديفيد، ليس بالنسبة لطرح وجهات نظرها إزاء هذه الترتيبات فحسب، ولكن كان في وسعها أن تدعم حلفاءها الخليجيين ليصبح الموقف تعبيراً عن قطاع واسع من الرأي العام العربي، كونه لا يعارض الاتفاق مبدئياً، بل يناهض إمكان استخدامه لإطلاق يد إيران غير المغلولة أصلاً.
يعود مصدر التجاهل في جانب منه إلى أن دول الاتحاد المغاربي لم تبادر، قبل التوصل إلى الاتفاق، إلى إشعار واشنطن وشركائها في الاتحاد الأوروبي بأي نوع من المؤاخذات والاستفسارات، أقلها أن الاتفاق إن كان يروم نزع أنياب التغول النووي الذي يشترك العالم المتحضر في مناهضته، فهناك مظاهر تغلغل مبدئي وظائفي أخطر. ذلك أن إيران في معاداتها الغرب لا تفكر في «تشييعه»، وإنما تعمل جاهدة لنقل مظاهر الفتنة الطائفية إلى جوارها العربي الأقرب والأبعد على حد سواء.
ولئن كانت الانشغالات الداخلية للدول المغاربية، مروراً بتداعيات الأزمة الليبية وصولاً إلى أسبقية الحرب على الإرهاب واستمرار الخلافات الثنائية، حالت دون بلورة موقف موحد، فالمسألة لا تعني أن المنطقة المغاربية مطمئنة إلى حواجز البعد الجغرافي عن خطوط التماس بين إيران وجيرانها العرب. وسبق لبعضها كما في حالة المغرب أن دقت ناقوس الخطر حيال مشروع التوسع المذهبي لإيران.
حدث ذلك في وقت أثر فيه نظام العقوبات الدولية المفروضة على إيران في الحد من نفوذها. فكيف سيكون الأمر في ظل إفادتها من تدفق الأموال المحجوزة، وتحرر آلياتها من القيود المتشددة. ما من شك في أن الهاجس يؤرق دول الشمال الأفريقي، بعد أن اكتوت في وقت سابق من التمدد المذهبي الذي استبدل مرحلياً مفهوم «تصدير الثورة» بإحكام الطوق الشيعي ذي الولاء الإيراني.
مرات عدة، سمعت العواصم المغاربية تمنيات أميركية وأوروبية لناحية الاندماج في تحولات نسيان خلافاتها والتركيز على بناء جبهة موحدة في التصدي للإرهاب وإقامة تكتل اقتصادي إقليمي يكون محاوراً لشركائها الوازنين. لكن رياح الحراك الذي انبعث من المنطقة المغاربية أرجأت استحقاقات عديدة بهذا المعنى، ولا يعني اكتفاء الدول الغربية بمبادرات محدودة في المساعدة على الخروج من النفق، بخاصة بالنسبة إلى الأزمة الليبية، سوى أن العالم الغربي بصدد التخلي عن تعهداته والتزاماته.
ينسحب الموقف في جانب كبير منه على العلاقات بين الغرب والعالم العربي. لأنه لا يمكن فهم الحماس الكبير الذي استغرقته جولات المفاوضات مع إيران من دون كلل، سوى أن هناك اتجاهاً لاستبدال أنماط التحالفات القائمة، بمبرر نفاد الصبر، مع أن المفاوضين الأميركيين والأوروبيين لم يبذلوا الجهد نفسه في تسوية أزمة الشرق الأوسط العالقة منذ عقود. ولو أنهم فعلوا أقل من ذلك، لتغير وجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأكثر من مائة وثمانين درجة.
أن تكون إيران باعت وهم حيازة السلاح النووي، أو أنها فعلاً بصدد امتلاكه، فالأهم أنها جذبت العالم الغربي إلى معترك المفاوضات. وهي لم تفعل أكثر من الاستفادة من الثغرات التي أحدثها الغزو الأميركي للعراق، والتمدد مذهبياً كلما لاح لها فراغ يتردد العالم الغربي في ملئه. ولا يعني الإصرار على الذهاب بعيداً في المفاوضات سوى أن هناك تطابقاً مهماً فرض نفسه، ليس أبعده أن الغرب قد يكون بصدد معاودة النظر في علاقاته مع الدول العربية.
على رغم أن دولاً عربية وازنة تنبهت مبكراً لهذا المنعطف وضغطت في اتجاه إنصاف الحق العربي على كافة المستويات، فإن الأوضاع الراهنة التي يجتازها العالم العربي لم تسمح بمواكبة هذا الانعطاف الذي كان في وسعه أن يقلب الطاولة ويعاود الوعي إلى شركاء العالم العربي. والمثير فعلاً أن ردود الأفعال الصادرة عن الكونغرس الأميركي كانت أقوى منها عما هو متوقع من العالم العربي.
إلا أن القضية يجب أن ينظر إليها من زاوية أبعد، تخص مدى تأثير السياسات العربية في القرار الدولي. فالحدث الإيراني-الغربي لا يعدو أن يكون مقدمة لخطوات آتية، والذين هندسوا لفكرة الشرق الأوسط الجديد كانوا مدركين أن خلط الأوراق لن يتم من دون إقحام لاعبين إقليميين جدد مثل تركيا وإيران. بينما واقع العالم العربي يشير إلى انعدام التنسيق الذي يكاد يكون أخرج منطقة الشمال الأفريقي من معادلة القوة في المنظومة العربية الممتدة من الخليج إلى المحيط.

*كاتب صحفي/”الحياة”