الرئيسية / وجهات نظر / عن اليسار والإسلاميين مرة أخرى
2bb840bb561a81dcd99a15cb36172d5f

عن اليسار والإسلاميين مرة أخرى

مرة أخرى يتجدد النقاش في المغرب حول العلاقة بين العلمانيين والإسلاميين على أرضية البناء الديمقراطي.. هذه المرة تبدو تداعيات الربيع العربي بنجاحاته وارتداداته حاضرة في قلب هذا النقاش.
السياق السياسي لمرحلة ما قبل احتجاجات 20 شباط/فبراير تأثر بطبيعة العلاقات الموجودة بين الإسلاميين والعلمانيين، كما تأثر بالتحالفات التي برزت قبيل انطلاق حركة 20 شباط/فبراير وبعدها، وهي التحالفات التي كانت تستهدف عزل حزب العدالة والتنمية.
في المغرب لا يشكل الإسلاميون كتلة متجانسة كما أن اليسار ليس كتلة متجانسة (أفضل استخدام مصطلح اليسار عوض مصطلح العلمانيين لأن مصطلح العلمانية ليس له حضور قوي في أدبيات القوى السياسية المخالفة للإسلاميين)، فهناك اختلافات حقيقية بين الإسلاميين على المستوى الفكري والسياسي، كما أن اليسار المغربي تفرعت عنه مسلكيات سياسية وفكرية متباينة تصل إلى درجة التعارض فيما بينها في العديد من القضايا والمواقف.
ومن تم فإن طبيعة العلاقة بين الاتجاهات المحسوبة على اليسار والاتجاهات المحسوبة على الإسلاميين هي علاقة متشابكة ومتداخلة وليس من السليم تناولها على سبيل التعميم أو إصدار أحكام قطعية بصددها، بل إن الكثير من المقولات تحتاج إلى إعادة تقليب النظر فيها من زوايا مختلفة: فمقولة اليسار ارتبطت تاريخيا بموقع سياسي ينحاز إلى الدفاع عن القضايا الاجتماعية وعن دور الدولة في المجال الاقتصادي والاجتماعي وعن دعم حركات التحرر الوطني، ثم تطورت رسالته فيما بعد للنضال من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان والنضال من أجل الحريات ومن أجل البيئة والتنمية.
لكن لا ينبغي اعتبار الإيديولوجية الماركسية جزءا من هوية اليسار، بحيث يمكن للإسلامي أن يكون يساريا (بالمعنى المذكور) إذا تبنى المقولات السابقة التي لا تتعارض في شيء مع القيم الإسلامية الداعية إلى الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية ومناهضة الاستبداد ورفض الظلم… كما تبدو مقولة الإسلاميين بدورها في حاجة إلى مراجعة فالإسلاميون الذين يمارسون السياسة من خلال تنظيمات سياسية معينة، هم في الواقع عبارة عن أحزاب سياسية عادية، ما يميزها عن باقي الأحزاب هو طبيعة نشأتها المرتبطة بالحركات الإسلامية التي تطورت مع مرور الوقت من تنظيمات شمولية تهتم بالدعوة والعمل الاجتماعي إلى أحزاب سياسية تحمل برامج سياسية تلتقي في الكثير من مضامينها مع الأفكار التي كان يطرحها بعض اليسار في مرحلة معينة، ربما بحمولة إسلامية واضحة لكنها في الجوهر تخدم نفس المقاصد والغايات…
صحيح أن هناك حواجز نفسية بين التيارين ساهمت في تعميقها بعض الدوائر التي لها مصلحة في تعميق حدة الصراع بين الطرفين وتغذية نزعات الحقد والكراهية بينهما، ولازالت بعض الأصوات الإعلامية إلى اليوم تقوم بهذه الوظيفة..
لقد مثلت الدينامية الاحتجاجية لـ 20 شباط/فبراير قوة ضغط دافعة للإصلاحات،ولم تكن تطرح نفسها كبديل سياسي، وهو ما لم تستطع أن تدركه بعض القوى السياسية اليسارية والإسلامية في حينه، ذلك أن هذه الدينامية الاحتجاجية لا يمكن أن تعوض الأطر السياسية التقليدية التي تضطلع بوظيفة الوساطة السياسية وتعمل على عقلنة المطالب وإعادة صياغتها بالطريقة التي يتحملها النظام السياسي، وهنا سقط العديدون في قراءة خاطئة لدور الأحزاب السياسية، الإصلاحية منها على وجه الخصوص.
ويبدو بأننا مطالبون بإعادة طرح مجموعة من الأسئلة: هل بالفعل أزمة الديمقراطية مرتبطة باختلال العلاقة بين اليسار والإسلاميين؟ وهل هناك بالفعل أزمة في الحوار بين اليسار والإسلاميين؟ كم يحتل العامل الفكري والإيديولوجي في الخلاف اليساري العلماني؟ وكم يحتل العامل السياسي في هذا الخلاف؟
ربما حان الوقت لتجاوز هذه الثنائية بناء على الفرضية التالية:
إن الخلاف بين اليسار والإسلاميين يعكس خلافا سياسيا بالدرجة الأولى، يتعسف البعض في بعض الأحيان ليضفي عليه صبغة إيديولوجية، وهذه الخلافات تتمحور حول الموقف من النظام السياسي وحول مناهج التغيير والإصلاح..
هذا الخلاف أنتج مسلكيات سياسية متباينة، وأنتج معه معايير اأخلاقية وقيميةب مختلفة.. فدرجة القرب أو البعد من السلطة بالنسبة للبعض هي محدد أساسي للحكم على فشل أو صوابية خط سياسي معين، بينما تمثل تجربة السلطة بالنسبة للبعض الآخر ممرا ضروريا لبناء توافقات كبرى والعمل على إصلاح ما يمكن إصلاحه..
وبين هذا وذاك هناك أصحاب النزعات الإرادوية المفرطة الذين يقفزون على الواقع وينزلقون إلى اختيارات تقترب من العدمية..
المفارقة الأساسية أن المعجم السياسي للجميع هو معجم متشابه يمتح من المدرسة الإصلاحية ومن مفاهيم الديموقراطية والدولة المدنية والتداول السلمي على السلطة واحترام الحقوق والحريات ونبذ العنف والحرص على استقرار البلاد، لكن أثناء البحث على الأجوبة العملية التي يطرحها الواقع، يتجاهل بعض الإصلاحيين مقدماتهم الإصلاحية ويظهرون عجزا غير مفهوم على توظيف أدوات الإصلاح.. إن الأمر لا يتعلق بثوريين ولكنهم إصلاحيون متخاصمون مع إصلاحيتهم..
هذه ملاحظة عابرة للتصنيفات الإيديولوجية، وتنسحب على بعض الإسلاميين وعلى بعض اليساريين، فالإسلاميون ذ كما قلنا سابقا ذ لا يشكلون كتلة متجانسة كما أن اليسار ليس كتلة متجانسة.
الآن، هناك تجارب عملية على الأرض تؤشر على مستويات متقدمة في العلاقة بين التيارين: فالتحالف الحكومي الحالي يمثل تجربة تحتاج إلى الرعاية والتشجيع، ذلك أن من بين مكوناته الأساسية حزبا ينحدر من الحركة الإسلامية المعاصرة وهو العدالة والتنمية وحزب ينحدر من اليسار المغربي وكان يسمى سابقا الحزب الشيوعي المغربي.
الأمر يتعلق بتحالف سياسي لا يلغي الاختلافات الإيديولوجية ولكنه يؤمن بإمكانية الالتقاء على أرضية برنامج سياسي متوافق حوله، بمعنى أن الجميع قدم تنازلات للطرف الآخر من أجل إيجاد مساحة للتعاون والعمل المشترك.
وقد أثبتت التجربة أن هناك مساحات برنامجية مشتركة عابرة للإيديولوجيات ينبغي العمل على اكتشافها وتنميتها وإفراغها من حمولتها الإيديولوجية خدمة للصالح العام، وتحطيما لبعض الأنانيات الضيقة التي ترضي نزواتنا النفسية فقط وهوانا الفكري والإيديولوجي دون أن تمتلك القدرة على الاشتباك مع الواقع والإسهام في حل تعقيداته اليومية.
هناك تجربة أخرى مدنية، ويتعلق الأمر بالائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان بالمغرب الذي يضم في عضويته حوالي عشرين منظمة حقوقية تحتضن مختلف المشارب الفكرية والإيديولوجية، وهو يمثل إطارا حقوقيا لتنسيق المواقف ويعكس وجود إمكانيات كبيرة للتعاون رغم اختلاف المرجعيات واختلاف المنظور الذي يقرأ به كل طرف منظومة حقوق الإنسان.
هناك أيضا تجربة الحوار الوطني حول المجتمع المدني التي تأسست بمبادرة حكومية، وتضم في عضويتها مشارب سياسية وفكرية مختلفة، نجحت في إدارة حوار وطني حول المقتضيات الدستورية الجديدة المتعلقة بالمجتمع المدني، وفق منهجية الاستشارة العمومية ونجحت في تعبئة أزيد من عشرة آلاف مشارك وانتهت إلى مجموعة من الخلاصات المهمة لتطوير المجتمع المدني..
الخلاصة، أن آفاق تطوير العلاقة بين مختلف الأطراف السياسية والفكرية رهين بالإيمان العميق بالاختلاف والتعددية وبأن الحقيقة ليس لها لون واحد.. ماعدا ذلك كله تفاصيل..
لكنها تفاصيل مهمة.. فالشيطان يسكن في التفاصيل..
“القدس العربي”