الرئيسية / وجهات نظر / ماذا بعد مشروع كيري؟
bebf89c95e24b542d8e6e7cd35397146

ماذا بعد مشروع كيري؟

 “التفاوض على التفاوض”، مقارنة بالتفاوض من أجل التفاوض، بات الدرك الأسفل الذي وصلت إليه “العملية السلمية” بعدما تهادت من حضيض إلى حضيض على منحدرات مشروع التسوية، فما تناقلته وسائل الإعلام كتطورات خطيرة جداً في المسيرة التفاوضية ليس سوى فصولٍ مملةٍ أخرى على مسرح العبث السياسي، هي أشبه بخصومة منها بصراع حقيقي، يتلخص جوهرها في النهاية بالسؤال التالي: بأية شروط يتم تمديد التفاوض من أجل التفاوض مجدداً؟ وهل سيتم بسقف السلطة المنخفض، أم بسقف الكيان الصهيوني الأكثر انخفاضاً؟
من هنا ردت السلطة الفلسطينية على رفض حكومة نتنياهو الإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى المسجونين منذ ما قبل توقيع خيانة أوسلو – الأسرى الذين يمثل تركهم في السجون الصهيونية بعد أوسلو خيانة أخرى ممن وقعوها –  بخطوة “جبارة” غير مسبوقة في تاريخ حركات التحرر في العالم هي تقديم طلبات للانضمام لـ13 أو 15 اتفاقية ومعاهدة دولية يتعلق معظمها بحقوق الإنسان، ناهيك عن اتفاقية لاهاي حول قوانين وأعراف الحرب البرية!!  الحرب البرية، بلى!! فأخيراً يمكن أن ينام “الرأي العام الدولي” مطمئناً إلى أن جحافل القوات البرية التابعة للسلطة الفلسطينية سوف تراعي الاتفاقية المذكورة، بحذافيرها، خلال تقدمها المظفر باتجاه حيفا ويافا وعكا وبئر السبع…
علق راديو جيش الاحتلال الصهيوني على طلب السلطة الانضمام لتلك الاتفاقيات بأن الجانب الأمريكي يسعى لإقناع حكومة نتنياهو بأن طلبات الانضمام للاتفاقيات الدولية لا يجوز أن يشكل مشكلة إذ سوف يخضِع السلطة الفلسطينية للمزيد من الرقابة الدولية.  اقرأ: الانضمام لتلك الاتفاقيات الدولية لن يأتي بسيادة وطنية لمن لا يمتلكها، بل يفيد بتقييد الدول ذات السيادة بوصاية دولية، فما بالك ب”مناضل” عاقل بالغ يرى بالرقابة الدولية برنامجاً لـ”استقلال”؟!
ومن المعروف أن بعض التنظيمات الفلسطينية تطالب، منذ ما قبل مشروع كيري، بقوات دولية في الضفة الغربية، وأن السلطة قبلت تواجد قوات دولية في منطقة الغور…  أو حتى قوات لحلف الناتو حسب بعض التقارير.  ولولا تعنت العدو الصهيوني وضيق افقه، لحسن الحظ، لتم تمرير مشروع التدويل باعتباره انتصاراً وطنياً فلسطينياً كبيراً يقزّم معارك اليرموك وحطين وعين جالوت معاً!
بمعنى أخر، يحاول الجانب الأمريكي أن يطمئن حليفه الصهيوني إلى أن الانضمام للاتفاقيات والمعاهدات الدولية ليس أمراً خطيراً، على العكس… من المعروف أن استراتيجية توظيف “القانون الإنساني الدولي” هي عنصر رئيسي في حروب التدخل الخارجي الأمريكية والناتوية في عصر العولمة، وفي استخدام “القوة الناعمة”، مثل التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية، لتقويض سيادة الدول وتقليص صلاحياتها.  فالسلطة الفلسطينية تعرف أنها لن تنال سيادةً عبر مثل هذه القناة، إنما تتدلل على الكيان في ملعب الوصاية الدولية دونما خروجٍ عن قواعد اللعبة: نعترف بالكيان وننسق معه أمنياً ونمنع المقاومة المسلحة ونقدم كل المطلوب، إنما أعطونا أي “مكسب سياسي” نحفظ به ماء وجوهنا… يا محسنين!
لكن مثل هذا الكلام لا يعجب الكيان الصهيوني، لأنه يتم من خارج قناته، لا بتنسيقٍ معه، وهو لن يسمح للسلطة أن تبدل ثوب تبعيتها، ولو ظاهرياً، بشكلٍ يتعامى عن حقيقة هيمنته الملموسة على الضفة الغربية، ولذلك فهو لا يفتأ يذكر السلطة بأنها جاريته وملك يمينه: نحن نسيطر على حرية حركة الشخصيات المهمة في السلطة في الضفة الغربية ومنها وإليها، ونملك أن نضيق عليكم اقتصادياً وأمنياً، وأن نخنق زراعتكم وتجارتكم وأن نوقف تحويل الضرائب التي نجمعها من الفلسطينيين إليكم… حتى شبكة الاتصالات، نستطيع أن نقيد إيصال معدات البنية التحتية الخاصة بها للضفة، إلخ…
السلطة من ناحيتها لا يعنيها هذا كثيراً بمقدار ما يعنيها الوصول لإنجاز شكلي تماماً، سبق “تحقيقه” مراراً من قبل، مراراً… لأنه لا يعني شيئاً على الإطلاق من زاوية تحرير فلسطين، وهو الانغماس في غيبيات “الدولة” وطقوسها ورموزها وشكلياتها، ومنها الانضمام للمعاهدات والاتفاقيات الدولية…  مما يمثل من الزاوية النفسية-الاجتماعية حالة نموذجية للانفصال السياسي اللاعقلاني عن الواقع، واقع الاحتلال الصهيوني لكل فلسطين، ورديفاً سياسياً للانتحار الجمعي بدفعٍ من ذهان التسوية بعد التخلي المجاني عن حبل خلاص المقاومة، وقد كان ذلك نتيجة خيار تاريخيٍ رث بدأ يتبلور ضمن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية منذ إقرار برنامج “النقاط العشر” في دورة المجلس الوطني الفلسطيني الثانية عشرة في القاهرة عام 74 الذي يقوم على “تأسيس سلطة وطنية فلسطينية على أي جزء يتم تحريره”، وبذلك اصبح برنامج “الدولة” بديلاً لبرنامج التحرير، أي بديلاً لبرنامج أي شعب وأرض يقبعان في ظل احتلال.
نقول أن مثل هذا الخيار تبلور كنهج في المرحلة الذهبية للثورة الفلسطينية المعاصرة، أي منذ السبعينيات، لا نتيجة “تخلي العرب عن القضية الفلسطينية” كما يزعم البعض اليوم.  ولا بد لمقدمات تلك المرحلة أن تتمخض عن نتائج هذه…
ولا يهم فعلياً الآن إن استمر التفاوض من أجل التفاوض بين السلطة والكيان الصهيوني أم لم يستمر، لأن غرض مشروع كيري كان تسكين الملف الفلسطيني للتحضير لضرب سورية، تماماً كما مهدت “خريطة الطريق” لضرب العراق، و”استحقاق أيلول” لضرب ليبيا.  أما عندما عدلت الولايات المتحدة عن ضرب سورية، فإن نتنياهو واليمين الصهيوني باتا يتعاملان مع مشروع كيري بالمزيد من الاستخفاف، وصولاً لنسف العملية برمتها، دون أن يعيق مشروع كيري عملية تهويد الضفة والقدس بالجملة.  فإذا استؤنف التفاوض من أجل التفاوض، فإن ذلك ربما يكون مؤشراً على تصعيد مقبل في سورية، وإذا توقف وسكتت الولايات المتحدة عن ذلك، فإنه ربما يكون مؤشراً على قرب الحل السياسي في سورية.  وفي الحالتين، لن تنال السلطة الفلسطينية شيئاً أكثر مما قدره لها الطرف الأمريكي-الصهيوني، حتى يحين موعد استبدال الحرس…