الرئيسية / وجهات نظر / كلّ هذا الاهتمام بتونس
e478f3a09dd5c87550c5388d05d5699e

كلّ هذا الاهتمام بتونس

لم يكن استقبال الإدارة الأميركية رئيس الحكومة التونسية، مهدي جمعة، عادياً. ففي سابقةٍ بروتوكوليةٍ غير معهودةٍ في البيت الأبيض، رحّب الرئيس باراك أوباما، برفقة نائبه، جو بايدن، بالمسؤول التونسي والوفد المصاحب له. كانت تلك رسالة رمزية من أقوى دولةٍ في العالم، إلى بلدٍ صغيرٍ في حجم تونس، بسبب نجاحه في صياغة دستورٍ متقدّم، وتمكّنه من تحقيق انتقالٍ سلميٍّ وسلسٍ للسلطة، جاء إثر حوارٍ وطنيٍّ صعب، لكنه ناجح. لكن، هل تكفي مؤشرات النجاح، وحدها، لتعليل هذا الاستقبال الجيّد؟
صحيح أن مهدي جمعة ترك انطباعاً جيداً لدى محدّثيه الذين وجدوا فيه شخصاً واثقاً من نفسه، ومتحدثاً لبقاً يملك رؤيةً تبدو مقنعةً وواضحةً بشأن ما يجب أن يتحقّق في تونس، في أَثناء ما تبقّى من المرحلة الانتقالية. وسبق لسفير الولايات المتحدة الأميركية في تونس أَن وجّه رسالةً إلى مسؤوليه، قال لهم فيها بكل وضوح “انتبهوا لهذا الرجل”، ما أَثار مخاوف أطرافٍ سياسية محليةٍ من احتمال وجود إرادة أميركية لحثّ رئيس الحكومة الحالي على الترشّح للانتخابات الرئاسية المقبلة، على الرغم من تعهّده السابق بعدم الترشح. وتستند هذه المخاوف إلى تغيّر المعطيات بعد شهرين من تولّيه المسؤولية. فهو يتمتع، اليوم، بشعبيةٍ أشارت إليها استطلاعات الرأي، وثانياً، وجود دعم دولي له، برز واضحاً بعد زيارته واشنطن.
وهناك مسألتان أكثر أهمية، طُرحتا على جدول أعمال هذه المحادثات ومن شأنهما أن تساعدا كثيراً على فهم هذا الاهتمام الخاص بتونس:
تتعلق المسألة الأولى بالحالة الاقتصادية الصعبة التي تمر بها تونس، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الثورة. وتكفي الإشارة، في هذا السياق، إلى كشف الحساب الذي استعرضته المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستين لاغارد، مع رئيس الحكومة التونسية في واشنطن. وأَهم مؤشرٍ عرضته لاغارد، في هذه الجلسة، عندما اعتبرت أَنَّ نسبة النموّ المقدّرة بـ2.8% غير كافية، على الإطلاق، لتقليص حجم البطالة الذي لا يزال مرتفعاً، وإعادة تنشيط الدورة الاقتصادية. وبناءً عليه، إن الحصول على القسط الثاني من القرض المقدّم من صندوق النقد، المقدّر بـ225 مليون دولار، سيكون مشروطاً بتنفيذ عدد من “نصائح” الصندوق، والتي تعتبر بمثابة جرعات من “دواء” شديد المرارة. وهذا القسط من القرض ما كان ليقدّم من الصندوق إلى تونس، لولا الضمان الأَميركي، والذي هو بمثابة الضوء الأخضر لمؤسسات التمويل في العالم، حتى تتعامل بشيء من الثقة مع الاقتصاد التونسي.
الملف الثاني لزيارة مهدي جمعة واشنطن تمثَّل في الحرب على الإرهاب، بعدما أصبحت تونس ساحةً من ساحات هذه الظاهرة الخطيرة المهددة للاستقرار والسلم الأهلي. وقد اجتمعت، بالمناسبة، اللجنة العسكرية الأميركية ـ التونسية، وتستعدّ للانعقاد مرة أخرى في شهر مايو/ أيار المقبل في تونس. وتهدف محادثاتها إلى دعم جهود الجيش التونسي، ليكون أكثر قدرة على مواجهةٍ، يبدو أنها ستكون طويلةً مع الجماعات المسلحة المحلية والإقليمية.
لم يحصل مهدي جمعة على مساعداتٍ استثنائية، خلافاً لما حظيت به أوكرانيا التي حصلت على 27 مليون دولار كدفعة عاجلة. لكن ذلك لم يمنع رئيس الحكومة من أن يصف زيارته بأنها ناجحة. وما إن عاد إلى تونس، حتى بدأ في عقد جلساتٍ مع القادة السياسيين والاجتماعيين، من أجل إعلامهم بحصيلة الزيارة، والتحديات التي تواجهها البلاد، بعدما بات توفير السيولة الكافية لأجور موظفي القطاع العام أولوية قصوى.
الخلاصة، ما يفسّر الاهتمام الأميركي والأوروبي بتونس في هذه المرحلة، لا يعود فقط إلى مؤشرات النضج التي غلبت على سلوك النخبة، وإنما، أيضاً، إلى خوف هذه القوى الدولية من احتمال انهيار السلطة، وتحوّل تونس إلى دولة فاشلة. لأن هذا السيناريو، الذي لا يزال بعيد الوقوع، من شأنه أَن يزيد من مخاطر عدم الاستقرار في البحر الأبيض المتوسط، وهو فعلاً احتمال مرعب للجميع.
“العربي الجديد”