الرئيسية / وجهات نظر / غرداية والتصحر الشامل
Tewfik-Rebbahi

غرداية والتصحر الشامل

مأساة كبرى عاشتها منطقة غرداية بالصحراء الجزائرية في الأيام الماضية أُزهقت فيها أكثر من عشرين روحا. مأساة لا يضاهيها في الحزن والأسى والخسائر إلا ذلك الإهمال الفادح واللامبالاة المخيفة التي قابل بها المجتمع الجزائري وهيئاته ومن مؤسسات الدولة كل ما حدث.
نكبة حقيقية اصابت منطقة من أكثر مناطق الجزائر سلما وانسجاما، ومن أكثر المناطق كداً واجتهاداً وتضامنا وانضباطا، بينما لا يكاد المجتمع يتألم، ولا تكاد الدولة تبدي اكتراثا جاداً.
الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي أعلن الحداد ثلاثة ايام في وفاة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز قبل ستة اشهر، لم يكلف نفسه إعلان ساعة حداد على 25 ضحية من «مواطنيه» في غرداية. بوتفليقة الذي يعزي الرئيس فرانسوا هولاند في وفاة عدد أقل بكثير من الفرنسيين في حادث سير يحدث مثله مئة يوميا في الجزائر، توصل إلى أن الجزائريين ليسوا اهلا للعزاء فلا يعزيهم. بوتفليقة الذي يعزي ويهنئ من هب ودب لا يرف له جفن و25 جزائريا يسقطون غدراً في أكبر إخفاق سياسي وإداري واجتماعي واقتصادي للدولة الجزائرية، ويتحمل مسؤوليته السياسية والأخلاقية هو قبل غيره.
اجتهد الإعلام الحكومي كثيرا في «تسويق» اخبار الاجتماع الأمني الطارئ الذي عقده الرئيس والتعليمات الصارمة التي أصدرها بمعاقبة المتسببين في جرائم غرداية. لكن، على فرض أنه فَعَلَ، لا يوجد ما يدل على استجابة وتأثير لصرامته المزعومة. الدليل أن المناوشات والقتل استمرا بعد «أوامره الصارمة» وفي اللحظات التي تعقب إقفال رئيس وزرائه وقادته الأمنيين عائدين إلى العاصمة من غرداية.
أزمة بهذا الحجم لا تُعالَج من غرفة نوم وفراش المرض، بل تستوجب همة وزعامة وصرامة، عناصر لا يتوفر أيّ منها لدى الرئيس الحالي. وعندما تصبح أي بلاد بلا قائد تُستباح وتنتهك فيها الحرمات كما حدث في غرداية.
ما يجعل أحداث غرداية مستمرة والتوتر فيها حاضرا بلا انقطاع منذ نحو سنتين، أن الدولة الجزائرية، ليست فقط عاجزة عن توفير العلاج، بل تفتقد إلى الثقة والرصيد المعنوي المطلوب لإيجاد حلول وفرضها. يكفي أن نتذكر ان الأحداث الأخيرة انفجرت بُعيْد مغادرة وزير الداخلية نور الدين بدوي للمنطقة. وقبلها انفجرت أحداث مأساوية مع انتهاء زيارات وزراء داخلية سابقين، منهم الطيب بلعيز ودحو ولد قابلية، كان من المفروض أنهم زاروا المنطقة لتهدئتها.
لا احد في غرداية بقي يثق في مؤسسات الدولة وموفديها. بقي قليل من الثقة في الجيش كمصدر أمان لا كصاحب حلول.
سنتان لم تتعلم الجزائر منهما درساً واحدا أو عبرة. لهذا يصبح من حق المتشائمين البحث عن مبررات في نظرية المؤامرة وفي المزاعم عن صراع في اعلى هرم السلطة ينعكس ميدانيا في غرداية مثلما كان يمكن أن ينعكس في مدينة أو منطقة اخرى تتوفر على أسباب التوتر.
هذه المرة أيضا انتقل رئيس الحكومة عبد المالك سلال الى غرداية، وألقى خطابات عن الوحدة الوطنية والأخوَّة والتعايش، ثم هدد وتوعد من يمس بهما وبأن «الدولة لن تتسامح هذه المرة» (لأنها تسامحت في المرات السابقة؟).
مع الاسف، ما حدث في الايام القليلة الماضية سيتكرر عاجلا أم آجلا، فلو كانت لدى السلطة الجزائرية قدرة ورغبة على فرض حل لكانت فرضته. سيتكرر طالما بقي رأس الدولة يدير الأزمة من غرفة نومه ببيجاما المرض. وسيتكرر طالما بقي السيد سلال يدير الأزمة بالطريقة العقيمة ذاتها التي لم تسفر عن محاكمة متهم واحد أو تعويض ضحية واحدة.
الوحدة الوطنية «خط احمر في الشعارات» والخطب الجوفاء فقط. هل بقيت وحدة وطنية وأحياء غرداية مقسمة بين السكان وفق إثنياتهم ومذهبهم الديني كأنها أحياء بلفاست وسكانها الكاثوليك والبروتستانت؟
أما المجتمع فيجوز القول إنه أصيب بالخدر، لم يعد يتألم ولم يعد يستجب لألم الآخرين.
هناك أولاً هذا الشلل الذي أصاب النخب ومن يُفترض أنهم ينتجون الأفكار ويصنعون الرأي العام. من المخجل كثيراً أن تمر مأساة غرداية هذه المرة (وقبلها) دون أن تحرك ضمائر المثقفين والكتاب والسياسيين وتثير نقاشا وطنيا. لا شيء على الإطلاق، الصحافة تواصل تغطية محتشمة أغلبها من العاصمة، والقنوات التلفزية الحكومية والخاصة ماضية في أجواء رمضان كان غرداية في نيجيريا أو كشمير.
لقد أصبح من الواجب دق ناقوس الخطر عن هذا التصحر الذي اصاب العقول والعواقب الوخيمة المترتبة عنه.
مثلما أصبح من الواجب دق ناقوس الخطر حول هذه اللامبالاة الخطيرة التي تسللت إلى عقول الجزائريين ففعلت فيهم مفعول البنج: أكثر من 20 روحا بريئة، بعضها لفتيان في سن المراهقة، تُزهق في أكثر الشهور حرمة وقدسية، بينما يمضي المجتمع لاهثا في الأسواق وراء عصائر رمضان والزيتون والتين المجفف. شيء مخيف ما بلغه هذا المجتمع من عنف وعدم قدرة على الحزن.. عنف ضد الأطفال، ضد النساء، ضد الفقراء، ضد ذوي الاحتياجات الخاصة، ضد المسنين، في البيت، في المدرسة، في الشارع، في المستشفيات، في المقابر.. في كل مكان.
إذا كانت هناك حسنة واحدة من أحداث غرداية، فهي بالتأكيد كشفها تصحر الجزائريين وجفافهم الذهني والاخلاقي والسياسي. الجزائريون لا يتوقفون عن الاشارة إلى «داعش» وتجارب الفشل في ليبيا واليمن وسوريا، لكنهم لم يدركوا بعد أن سكوتهم عن غرداية يتناقض مع خوفهم من تجارب الفشل تلك، لأنها «داعش» أخرى وإن اختلفت الاشكال والاساليب والتسميات.

٭ كاتب صحافي جزائري/”القدس العربي”