الرئيسية / وجهات نظر / منطق المشاركة والانتخابات المغربية
محمد الاشهب

منطق المشاركة والانتخابات المغربية

عندما يكشف رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بن كيران أسباب خفض ترشيحات حزبه إلى انتخابات العام 2003، ارتباطاً بدعوات تعليق حزبه «العدالة والتنمية» بمبرر التورط في التحريض على الهجمات الإرهابية التي كانت الدار البيضاء مسرحاً لها، فالإحالة واضحة لناحية أن الانتخابات المرتقبة في خريف العام الحالي لا ينطبق عليها التوصيف نفسه. أقله أن الحزب الذي كان مهدداً بالحل قبل أكثر من عشر سنوات أصبح يقود الحكومة الراهنة.
غير أن استحضار بن كيران وقائع أحداث الهجمات الانتحارية، يحيل إلى أن رأس حزبه كان مطلوباً، في إطار الخلط بين مكونات التيارات الإسلامية، من جهة لأن صدمة التفجيرات كانت قوية ومفاجئة وتبعث على الذهول، ومن جهة ثانية لأن الأصابع أشارت إلى تنظيمات متطرفة لم تكن بعيدة من تدافع الإسلاميين والسلطة. وذهبت استقراءات إلى الربط بين موقف «العدالة والتنمية» وأزمة العشرية السوداء التي اجتازتها الجزائر، من منطلق أن جبهة الإنقاذ أرغمت وقتذاك على تبديد الانتصار الكاسح الذي حققته، في ضوء إلغاء الاستحقاقات الاشتراعية التي كان وارداً أن تستأثر بنفوذها، والحال أن إسلاميي المغرب رغبوا في عدم التماهي والتجربة الجزائرية.
سيتطور الموقف داخل التنظيم الإسلامي على مراحل، هي ذاتها التي جعلته في أقل من عشر سنوات يعتلي صدارة المشهد السياسي في انتخابات العام 2011، وسينزع في غضون ذلك إلى ترسيم حدود ممارساته كحزب سياسي ذي مرجعية إسلامية، وليس «حزباً إسلامياً» كما ينعته خصومه ومنافسوه. وبهذه الصفة تمكن من استمالة حلفائه إلى الائتلاف الحكومي، وبما في ذلك الحزب اليساري (الشيوعي سابقاً) التقدم والاشتراكية الذي كان من أكثر دعاة مواجهة «العدالة والتنمية» على خلفية الأحداث الإرهابية.
الواقع أنه ليس الحزب الشيوعي الذي تغير إلى درجة التحالف وحكومة الإسلاميين، بل التيار الإسلامي أيضاً انتقل من ضفة المواجهة المفتوحة لإحداث التغيير من الخارج، إلى الاندماج في منطق المشاركة التي تحقق مكاسب أفضل. وساعد «العدالة والتنمية» المغربي أنه أفاد من صدام العشرية الجزائرية ومن ثورة الربيع العربي على حد سواء. ولم يكن وارداً أن يقع هذا التحول لولا أن البلاد أقرت الانفتاح على النخب المغيّبة، كما حدث في تجربة التناوب التي قادها الزعيم الاشتراكي عبدالرحمن اليوسفي، ثم انتقل الأمر إلى زعيم إسلامي مكن حزبه من النجاة من طوق الحصار والتعليق والانطلاق نحو أفق أرحب.
هل يكون رئيس الحكومة بصدد توجيه رسائل حول طموحات حزبه في انتخابات البلديات المقبلة، لناحية أنه قد يلجأ إلى تقديم مرشحين إلى كل الدوائر، في ظل الانفتاح على كفاءات تكنوقراطية من خارج التيار الإسلامي؟ أم إنه يتلمّس المواقف إزاء تفاعل الأحداث، في ظل رسوخ الاقتناع بأن انتخابات البلديات ليست مثل الاشتراعيات، وأنها تميل إلى الاقتراب من القضايا المباشرة للناخبين في مسائل التدبير المحلي.
في أي حال، فالمؤشرات الصادرة حتى الآن توحي بأن الائتلاف الحكومي الذي يضم «العدالة والتنمية» إلى جانب تجمع الأحرار والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية، يمكن أن يتحول إلى تحالف حزبي في المنافسات الانتخابية. وإذا حدث ذلك ستكون المرة الأولى التي يصنع فيها تحالف حكومي ما عجزت عنه تجارب سابقة، إذ سرعان ما يتواجه الفرقاء بعضهم مع بعض بعد انتهاء الولاية التنفيذية. ولئن كانت المعارضة سبقت في فترة فائتة إلى تجريب خطة المرشح المشترك، فإن الحكومة أيضاً قد تفيد من هذه الصيغة الوفاقية، وقد تطورها لتشمل الاستحقاقات الاشتراعية المقررة مبدئياً العام المقبل.
على رغم التباين القائم بين الانتخابات المحلية والاشتراعية، فإن حدة المنافسات ستبلغ أوجها في استحقاقات البلديات والجهات، من منطلق أنها تشي بصورة مجهرية لما قد تحفل به نتائج الانتخابات الاشتراعية. وقد بدا أن المشهد السياسي في طريقه إلى أن يفرز قطبين متصارعين، أحزاب الائتلاف الحكومي وفاعليات المعارضة، ما يرجح فرضية أن اختيار نظام القطبية الحزبية قد يتبلور ميدانياً. لكن الرابح في ذلك سيكون «العدالة والتنمية» الذي قد يتحول إلى مركز جذب واستقطاب، إن لم تحدث مفاجآت من قبيل انفراط عقد التحالف الحكومي في انتخابات البلديات.

*كاتب صحفي/”الحياة”