الرئيسية / وجهات نظر / 3 أسئلة من الست أم كلثوم
08f61c52357dcc6d2503bfea790efe4d

3 أسئلة من الست أم كلثوم

1 هو صحيح الهوى غلاَّب؟
هذا السؤال الوجودى الذى أطلقته ست بـ100 راجل من عشرات السنين نقلًا عن دفاتر بيرم التونسى، لم يكن ذا قيمة من قبل، لكن حدث أن هبّ السؤال بعد منتصف الليل قادمًا من راديو حارس المخبز الذى تطل عليه شرفة منزلى، لا أحد غيرنا والست فى الشارع، والسؤال يعيد نفسه كأنه يطلب منك الإجابة بإصرار موغل فى القسوة.
قبل سنوات طويلة قلت للأستاذ محمود عوض إننى لا أحب أم كلثوم، استوعب الرجل غرور شاب مُنتَشٍ بشهوة تكسير الأساطير والثوابت، ثم قالها لى صريحة بأبوّة أكثر غرورًا «لَمَّا تكبر هتحبها». أنا الآن كبير بما يكفى لأن أقف أدخّن سيجارة فى الصقيع خوفًا على نقاء الهواء الذى يتنفسه أهل المنزل، وصوت الست يقلب تربة الروح بمعول ألماظ، وتسأل وأنا أفتش عن الإجابة: هو صحيح الهوى غلاب؟ الآن أنا منتشٍ بعدم العثور على إجابة، وكذلك الست التى وقعتُ فى غرامها بعد أن كبرت.. «ماعرفش أنا».

2 أغدًا ألقاك؟
قبل سنوات كان مشوار الصعيد بالقطار يبدو مزعجًا من حيث فرحة الصعايدة باختراع بثّ الأغنيات عبر أجهزة الموبايل الحديثة، يزعجك الصوت العالى، لكن الأكثر إزعاجًا هو الذوق نفسه، ما بين سذاجة الأغنيات الشائعة شعبيًّا، والخشوع المفتعَل فى صوت مقرئ الخليج، يندر فى مشوار الساعات السبع أن تصادف ذوقًا يعبِّر عنك، من يعبرون عنك غالبًا يستمعون إلى أغنياتهم المفضلة عبر سماعات شخصية. لكن هذه المرة كانت السيدة العجوز المتشحة بالسواد ونظارة طبية عريضة شفافة اللون، نحيلة، يتدلى مصحف ذهبى من سلسلة فى عنقها، تطلب الشاى دون سكر من عامل البوفيه، وحيدة بما يكفى لأن تظل شاردة عبر نافذة القطار التى لا تكشف عن شىء سوى ظلام دامس يقطعه كل فترة أنوار ضعيفة منبعثة من بيوت فقيرة على جانبى شريط السكة الحديد. كان السؤال هذه المرة يأتى من الموبايل الذى وضعته فى حجر فستانها: «أغدًا ألقاك؟»، السؤال الذى التقطته الست من روح الهادى آدم المتوثبة إلى لقاء لن نعرف يومًا مَن طرفه الثانى، بالضبط مثل تلك السيدة النحيلة. كانت خيالات شريكها الذى لم يرافقها فى رحلة القطار تؤنسنى مع صوت الست، هل لبسَت السواد من أجله؟ هل فارقها مبكرًا أم أنه قطع معها من الطريق ما يكفى لطمأنتها؟ هل تنتظر غَدَ لقائه حتى لو كان فى الأرض التى استقر فيها؟ كانت الست تجيب: «وغدًا تأتلف الجنة أنهارًا وظلَّا.. وغدًا ننسى فلا نأسى على ماضٍ تَوَلَّى»، وكانت السيدة النحيلة تهز رأسها تؤمِّن على الفكرة بينما كلى شوق إلى أن أقف فى منتصف المربع الذى رحل منه ثلاثة أضلاع وبقى ضلع واحد يميل برأسه على شباك قطار قديم ينتظر الوصول.

3 لسه فاكر؟
البيت المجاور لنا كان أهم ما يميزه شرفة صغيرة بسلالم تقود إلى مضيفة صغيرة، كان أطفال البيت أصدقاء، فى يوم وجدتُ والدهم يرسم على حائط هذه الشرفة صورة لأم كلثوم بنظارتها السوداء الشهيرة والشعر الملموم فى كحكة لا تخلو من وقار. بهجةٌ ما حلّت فى القلب كطفل يتابع مهارة ما على الطبيعة، سنوات طويلة وأنا أمر بهذه الشرفة فألقى نظرة على الست وألقى السلام، أو أجلس مع الأطفال فى قلب الشرفة فى انتظار «الكيكة» التى تعدها الأم بينما رائحتها تخبرنا باقتراب نضجها، إلى أن رحلت الأسرة وبقى المنزل ورَسْم الست يبهت يومًا بعد يوم ويتآكل ببطء إلى أن هبط سكان جُدُد محوا كل ما تبقى من صورتها.
عاد أحد الأطفال كبيرًا ذات يوم ليشارك فى واجب عزاء، ظللت طوال الجنازة أتحيَّن لحظة مناسبة لفتح ذكريات الطفولة، كلَّمته عن رسمة الست لكنها لم تكن حاضرة فى ذهنه، أحزننى الأمر والتمست له العذر، قلت ربما لأنه كان أصغر الأطفال ساعة الرحيل لا يتذكرها. بعد شهور أرسل إلىَّ طلب صداقة على «فيسبوك» فَرِحتُ به، بعدها أرسل إلَىَّ صورةً لعائلته قبل أن ترحل عن البلد، صورة نصف مهترئة نقلها بكاميرا الموبايل من ألبوم العائلة، كانوا قد اصطفُّوا فى الشرفة وخلفهم صورة أم كلثوم على حالها القديم، وفى رفقة الصورة رابط أغنية تحمل السؤال الذى كتبه عبد الفتاح مصطفى خِصِّيصًا لهذه اللحظة: «لسه فاكر؟». سهرت فى غرفتى طول الليل أمام الصورة بينما تنبعث من اللابتوب رائحة الفانيليا.