الرئيسية / وجهات نظر / هيمنة الشارع.. صحية أم مرضية؟
be8705c3475c94c84e2da78362c91453

هيمنة الشارع.. صحية أم مرضية؟

نلاحظ أن الشارع الجزائري بدأ يتحرك أثناء هذه الفترة الحساسة والحرجة، ونحن على أبواب الاستحقاقات الرئاسية، خاصة أن الأشخاص الذين يتظاهرون والذين يرفضون العهدة الرابعة هم من الطبقة المثقفة ويمثلون “الأقلية الساحقة”.
ونجد من بين هؤلاء المثقفين بعض المبدعين الذين يناطحون السياسيين ويصارعون النص السياسي، خاصة ونحن نعلم أن النص الإبداعي المعاكس للنص السياسي هو مشروع غير مكتمل، أو بالأحرى لا يكتمل على الإطلاق نظرا لأنه يمثل الفعالية اللغوية المشحونة بالحياة وزخمها والخلق وسيولته.
فلا يمكن إذن تصور نص إبداعي وصل أو سوف يصل إلى منتهاه كلغة وكإبداع، لأنه مجموعة مشاريع متعددة الاتجاهات تجسد طموحا مشروعا لواضع النص الأدبي، وهذا الطموح لا يتسنى له الانتهاء إلا بتوقف المبدع عن الإنتاج وهذا التوقف يمنع الكاتب من مواصلة الكتابة من جهة، ويعطي النص حرية أكبر في التكوين إلى حد الأسطورة، من جهة أخرى. فالكاتب الأمريكي وليام فولكنار، مثلا، اكتسب حريته وأسطوريته بعد موته، إذ لم يعترف له بدوره كمؤسس الرواية الغربية الجديدة عندما كان حيا يتلقى ضربات الرقابة الأمريكية وازدراء الناقدين، وكذلك الأمر بالنسبة لمقامات الحريري والهمذاني، أي أنها كانت مغايرة فنيا قبل أن تكون ثورية سياسيا، لكن سرعان ما تداخل العامل الإبداعي والعامل السياسي من خلال المقامات، فأصبحت بمثابة المنبر المكتوب بلغة الناس آنذاك، أي بلغة مشحونة بالألغاز، الشيء الذي جعلها متميزة إبداعيا وفلسفيا عن النصوص الأخرى المتداولة في ذلك العهد والمتميزة على القصص السوقي والحكواتي المتجول والذي كان يفرض هيمنة الشارع بطريقة صحية ونافذة، أولا لأن المقامات كانت مكتوبة وثانيا لأنها كانت تحمل بين نسيجها الإبداعي تصورا سياسيا رهيبا ودقيقا وذكيا لا يستعمل الإثارة لأغراض انتهازية أو شخصية، فيطرح عندها مشكل علاقة الشعب بالسلطة، وسواء أكان المشكل مطروحا بالنسبة لأبي تمام أو للحريري أو الهمذاني، فعلينا أن نفهم أنهم الثلاثة مكونون لأدب محوري يتجلى فيه الفن المطلق والنقد السياسي اللاذع، حيث تلعب الطبقية دورا أساسيا.
فكان هؤلاء المبدعون المحوريون في تلك الفترة من التاريخ العربي الإسلامي أشخاصا ربطوا بين الأصالة والتوصيل، أصالة الفن من ناحية، وتوصيل الوعي الفكري والسياسي إلى الناس من جهة أخرى، رغم أن الأنماط والأسماء التي اختزناها كانت تبدع بلغة الرؤية المغايرة للحال السلطوي السائد.
واليوم؟ اليوم يحدث العكس، لأن الشارع أصبح النقطة التي تنتشر فيها الدهماء والغوغاء تحرك رغبات بعض الفئات من الشعب لم تكن معروفة من ذي قبل بحركيتها أو بنشاطها السياسي، إذ أن الناس قد أدمنوا السائد من الأدب والفن والإبداع، وذلك لأسباب مربوطة بالتخلف المادي والذهني، لأسباب تاريخية معروفة، لعبت فيها السياسة الخسيسة والرجعية دورا أساسيا يوظفه الرأي المضاد للتغييرات الأساسية التي يريدها ويرتقبها المجتمع الجزائري والتي تتمحور حول المشاكل الاجتماعية التي هي في الأساس طبقية لا محالة لأن الجزائر اليوم تمشي على قدمين متناقضين، أصحاب المال والرشوة والسلطة من جهة وأصحاب الفقر والمرض والبطالة من جهة أخرى.
وهذا ما نساه أصحابنا المثقفون وقد تجاهلوا هذا العنصر الحيوي والضروري، لذا فإن حركية الشارع في هذه الآونة هي مرضية.
“الخبر” الجزائرية