الرئيسية / وجهات نظر / احتلال الشقق وآلية التصدي لمشاكل المهاجرين الأفارقة

احتلال الشقق وآلية التصدي لمشاكل المهاجرين الأفارقة

اضطرت السلطات العمومية الى التدخل في المدة الأخيرة، لإفراغ شقق سكنية في أحد أحياء مدينة طنجة، احتلها، بوجه غير قانوني، مهاجرون أفارقة، لم يتضح ان كانوا كلهم مقيمين سريين أم محسوبين ضمن الذين رخص لهم المغرب ومنحهم حق الاقامة الشرعية فوق ترابه.
وكيفما كانت وضعية المتطاولين على حرمة أملاك الغير، فإن حادث احتلال الشقق الفارغة مرفوض أخلاقيا وقانونيا؛ شكل مفاجأة صادمة لسكان الحي وخاصة الجيران الذين باتوا منزعجين من سلوكات غريبة وضجيج عالي لا يتوقف ولا يراعي راحتهم وحرمة بيوتهم وخصوصيات عيشهم؛ ما جعلهم يستغيثون بالسلطات المحلية، للتدخل الفوري إنفاذا للقانون الذي يسري على الجميع.
ويجب الاعتراف، استنادا على تقارير مستقلة وشهادات متواترة ومتطابقة، ان عناصر الأمن والقوة العمومية تدخلوا بكيفية سلمية، متجنبين أي تصرف يمكن ان يتسبب في غليان أو تأجيج الموقف.
تمت عملية تحرير الشقق من محتليها بدون مقاومة، بامتثال قاطنيها غير الشرعيين وترحيلهم من طرف السلطات في حافلات هيأتها لإبعادهم عن الحي وتدبير مكان لإيوائهم.
ومن الواضح ان السلطات العمومية لم تتعجل في تطبيق القانون، بل أمهلت وأنذرت محتلي ملك الغير قبل مدة حتى يغادروا عن طيب خاطرهم؛ هذا ما عكسته بجلاء تصريحات لوسائل الاعلام، أدلى بعض الدبلوماسيين الأفارقة مفادها انه تم إخبارهم لإقناع مواطنيهم بالكف عن سلوكات لن تخدم وضعيتهم واستقرارهم بالمغرب، بعد ان عيل صبر السلطات في عدد من المناطق التي يتواجد فيها بكثرة مهاجرون من بلدان جنوب الصحراء؛ إزاء سلوكات غريبة، تكاثرت شكاوي المواطنين المغاربة منها. فقد لوحظ مثلا أن أفارقة ممن سويت وضعية إقامتهم، لم يعودوا أولائك الناس الطيبين المسالمين، وإنما بدأوا يظهرون ردود فعل غاضبة وغير مؤدبة ويدخلون في مشاجرات ساخنة مع مضيفيهم، أصبحت الشوارع العمومية مسرحا لها.
ولم يعد سرا ان التعاطف مع أوضاع إنسانية صعبة يعيشها المهاجرون الأفارقة، بدأ في التراجع وتحول الى حذر وتوجس، ان لم يكن خوفا، في بعض الأحيان.
لقد أحسنت السلطات، بتدخلها في الظرف المناسب، فقوبل تصرفها بالترحيب من الناس وخاصة المتضررين؛ ليس بدافع الانتقام من المهاجرين وتعريضهم للبهدلةبل حرصا على سلامة العيش معهم؛ وبالتالي فلربما ادركوا ان صفتهم الجديدة كمقيمين شرعيين أو ضيوف مؤقتين على المغرب، لا تمنحهم أي امتياز لا يتمتع بها المواطنون الذين لا يجرءون على احتلال ملك الغير، وإشاعة الفوضى في أحياء سكنية آمنة؛ ما استوجب الحزم وعدم التساهل معهم؛ وإلا تحول احتلال المساكن الفارغة الى سابقة وحق يطالب به المهاجرون الافارقة، بل الأخطر من ذلك انتقال العدوى الى المواطنين المغاربة.وهذا “سيناريو”سيئ لا يرضاه احد لبلد يطمح بكل جهوده لتطبيق العدالة والقانون بصرامة في حق المخلين به مهما كانت حيثياتهم.
والحقيقة ان احداث طنجة التي انتهت بسلام، باستثناء تسجيل حالة وفاة غامضة ارتكبت تزامنا مع عمليات الافراغ، كشفت أي الأحداث، ضرورة فتح هذا الملف المرشح لتداعيات لا يعرفها أحد، اذا لم يعالج من قبل الجهات الحكومية المعنية، بشراكة وتنسيق وتشاور مع الشبكة الحقوقية الوطنية، وبتعاون كذلك مع البعثات الدبلوماسية المعتمدة التي ينتمي اليها المهاجرون الافارقة.
ولا يجادل احد في صعوبة المشكل والإحراج الذي تواجهه السلطات الامنية والادارية والصحية المغربية، لذلك ربما حان الوقت للتفكير دبجدية لإيجاد آلية إدارية حكومية، يعهد اليها بملف المهاجرين الافارقة الحاليين والقادمين لا محالة.
وينبغي التركيز في الخطوة الاولى على التوعية والشرح وإقناع المهاجرين وإفهامهم ان الدولة والمجتمع المغربي متضامنان معهم وشاعران بأوضاعهم الانسانية الصعبة والبائسة؛ انما لا يمكن التخفيف منها بخرق القانون، بشكل فوضوي عنيف، يلحق أضرارا بمصالح المغاربة، بينما هؤلاء في غالبيتهم، مرحبون بإخوانهم الافارقة، يقتسمون معهم لقمة العيش.
صحيح، انه لا توجد مواصفات للشكل الذي ينبغي ان تتخذه الآلية المقترحة. إجمالا يمكن الاشارة الى بعض مهمامها وخاصة توفير بنية استقبال ورعاية المهاجرين،ومعالجة مشاكلهم وجرد الصعوبات الطارئة والمحتملة التي سيلاقونها أثناء تعاملهم مع المجتمع المغربي وأجهزته الادارية وكذا قوانينه النافذة على سائر الناس، مواطنين وأجانب.
ويجب ان لا يفسر هذا الاقتراح بكونه دعوة لعزل المهاجرين الافارقة في “غيتوهات” والتعامل معهم بكيفية تمييزية؛ إنما القصد فقط التعرف على طبيعة معاناتهم وإحصاء وتصنيف مشاكلهم في أفق ايجاد الحلول الممكنة لها، للحد من تراكمها وتفاقمها.
وظل المغرب الى عهد قريب، معبرا للهجرة نحو اوروبا، بسبب القرب الجغرافي، يستقر به المهاجرون لفترة قد تطول وقد تقصر، متحينين الفرصة السانحة للتسلل الى الاراضي الاوروربية،عبر إسبانيا، النقطة الأقرب اليهم.
لقد تعددت مصادر الهجرة نحو أوروبا وخاصة بعد انهيار الدولة الليبية وعدم الاستقرار في تونس ومصر. أوضاع استثنائية فرضت على المغرب إحكام الخناق الامني على المهاجرين المنتظرين في المغرب، فكثرت اعدادهم وغيروا وجهتهم نحو الاستقرار والعيش به.وهي رغبة تعامل معها باريحية وكرم، رغم انه لم يكن مستعدا ولا مهيئا لتحمل أعباء إضافية.
القى تدفق الهجرة، مسؤليات جديدة على المغرب، انسانية واقتصادية واجتماعية وأمنية، يواجهها وحده دون مساعدة في حجم الأوضاع الخاصة؛ لا من الجيران الأقربين الذين يغرقونه بأعداد، ولا من الدول الأوروبية؛ فهذه الاخيرة تفضل المقاربة الأمنية واسلوب الردع في الحدود والطرد الفوري في حالة ضبط المتسللين.
وتتوفر السلطة التنفيذية على وزارة مكلفة بالهجرة وتتبع احوال الجاليات المغربية في الخارج، ليس المجال هنا مناسبا لتقييم العمل الذي تقوم به؛ غير ان الحكومة اصبحت مجبرة على إحداث ادارة او وكالة تسهر على شؤون ومشاكل الهجرة الافريقية الى الداخل.
والمؤكد ان المجلس الوطني لحقوق الانسان، يباشر بعض المهام المتصلة بصلاحياته في هذا الشأن، دون ان يضطلع بطبيعة الحال بالوظائف الادارية التي يفترض ان يحدث لها جهاز خاص، حتى لا تصبح الهجرة مشكلا انسانيا واداريا وحقوقيا بالمغرب.
إن التفاعلات التي حدثت في حي”بوخالف” بمدينة البوغاز، أظهرت الى العلن مشاكل وصعوبات بدأت تتبلور في المجتمع المغربي من تداعيات الهجرة الافريقية، لذا يجب احتواؤها قبل انتشار مداها وتحولها الى مواجهات عنصرية.
ولما كانت السلطات حازمة في تصرفها حيال محتلي الشقق السكنية،فإنها يجب ان تتحلى بنفس الارادة، وذلك باجراء تحقيق شامل في مزاعم بعض المهاجرين، ادعوا انهم كانوا ضحية ابتزاز واستغلال وسطاء وسماسرة، استلموا منهم الايجار مقابل عقود سكن وهمية.
يصعب تصديق تلك الادعاءات، وعلى افتراض حدوثها فانها ستكون جد محدودة؛ فليس المهاجرون سذجا حتى تنطلي عليهم مثل تلك الحيل وقد تمرسوا خلال رحلاتهم الطويلة والشاقة من بلدانهم حتى المغرب، حيث تعلموا ان الذئاب كثيرة في الطريق فاكتسبوا خبرات وتجارب في التعامل الحذر معها.ومع ذلك يجب الإصغاء إلى رواياتهم.