الرئيسية / وجهات نظر / جغرافيا العنف في المجتمع الجزائري
AZRAJE OMAR

جغرافيا العنف في المجتمع الجزائري

بقلم: أزراج عمر*

إنَ العنف المستشري الآن في المجتمع الجزائري هو وليد تركيبة تاريخية معقدة، ووليد الظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية الصعبة التي تعشش في البلاد في ظل النظام الحاكم على مدى سنوات عجاف، يتطلب تحليلا علميا لإبراز مصادره المختلفة وأخطاره المحدقة.
في الواقع فإن علاج ظاهرة العنف هذه في المجتمع الجزائري بين ليلة وضحاها أمر صعب، وهو مرهون أساسا بتغيير النظام السياسي والثقافي والاجتماعي، والبنيات التي يستند إليها باعتبارها هي التي أفرزت مجتمع العنف، وبخلاف ذلك فإن الوضع سيزداد استفحالا.
واللافت للنظر هو أن العنف في المجتمع الجزائري، بكل أشكاله الأخلاقية والمادية واللفظية، ليس سمة فردية يمكن حصرها وتسمية أصحابها بالمرضى نفسيا وإنما نراه ينحو لأن يكون عنفا جماعيا. لاشك أن مثل هذه الظاهرة لا تنطبق عليها مفاهيم ووصفات الطب العقلي والنفسي التقليدية، إذ لابد من مقاربات جديدة لفهم كيف يتحوَل قطاع كبير من الشعب إلى ترسانة عنيفة.
لاشك أن هذه الظاهرة الخطرة التي نتحدث عنها ليست جزئية أو حالة منفردة أو مجموعة حالات معزولة، بل إنها قد أصبحت تطال مختلف أجهزة الدولة والحياة السياسية والشارع والعلاقات اليومية إلى حدَ أدى ولا يزال يؤدي إلى تحولها إلى بنية ثقافية نفسية عامة وسائدة.
في هذا الاطار خصصت مجلة دفاتر الجزائرية الصادرة في مدينة وهران بالغرب الجزائري ملفا خاصا لدراسة ظاهرة العنف في المجتمع الجـزائري والكشـف عن جذورهـا، خاصة بعد إلغاء المرحلة الثانية مـن الانتخابات التشريعية وفي الوقت الراهن أيضا. يركز هذا الملف على المحاور التالية:
أولا وضعية المرأة والعنف داخل الأسرة في المجتمع الجزائري. ثانيا الأدباء الشباب والعنف في الوقت الراهن فضلا عن إشكالية الهوية الإسلامية. ودون ريب فإن هذه المحاور، رغم أهميتها، لا تغطي المشهد العام لواقع العنف في المجتمع الجزائري وكان ينبغي فتح ملفات أخرى لها ضلع في ميلاد ونشر ثقافة العنف مثل التفاوت الاقتصادي في المجتمع وانعدام التقاليد الديمقراطية في العمل السياسي وتغوَل البيروقراطية، وغيرها من المسببات الأخرى التي لا تقل أهمية ومنها الفوضى المعمارية وتأثيرها البالغ في تشكيل العنف الرمزي، وفرض النظام الرأسمالي الذي يهز الآن أركان المجتمع الجزائري المعاصر ويسلبه هويته.
بادئ ذي بدء أنظر في بعض مفاهيم العنف الواردة في المساهمات التي يتضمنها هذا الملف المذكور آنفا، وفي هذا الشأن كتبت الباحثة كلودين شوليه “يشتمل الاستعمال الدارج لمصلح العنف على إدراك الشروط المنتجة لهذا لعنف” وتضيف “تبدو أنماط العنف متزامنة وأحيانا مقنَعة”.
أما الباحث نور الدين سعدي فيرى أن “العنف الجاري بالجزائر كأنه باثولوجيا” وهنا يتدخل الباحث الجزائري حسن رمعون، ليوضح أنه “غالبا ما تفسر حالة العنف السياسي الدائم في الجزائر بإرجاع كل تطور اجتماعي، بطريقة أو بأخرى، إلى التاريخ” ولكنه يرى أننا، لا نعطي المعرفة حقها إذا حصرنا تفسير العنف في ماضي طبيعة العنف بطريقة أكثر تصنعا.
أما الباحث فريد بن رمضان فيقدم مقاربة تاريخية انتقائية معزولة في الغالب ويحصرها في اللحظة الاستعمارية ذات الصلة بتفكيك الاستعمار الفرنسي للهوية الوطنية مثل تحطيم النسب العائلي وسعي جيش الاحتلال إلى إعادة تأسيس الشخصية الجزائرية.
وهنا يذكَرنا بما ترتب على قرار مجلس الشيوخ الفرنسي عام 1863، وقانون الحالة المدنية لسنة 1882، اللذين تم بموجبهما وبسبب تطبيقهما على الشعب الجزائري المستعمر إحداث تغييرات حادة ومؤلمة في نظام الألقاب العائلية في الجزائر، ويعني هذا الباحث أن فرنسا مارست تفكيكا للعائلات الكبرى بوجه خاص، وغيرت نسبها العائلي حيث يعتبر ذلك عنفا خطيرا ضد المجتمع الجزائري.
إن هذا البعد التاريخي مهم فعلا، ولكن السؤال الذي لم يطرحه هذا الباحث هو هل يمكن للعنف الذي ولَده هذا التفكيك للعائلات ولنسبها المتزامن مع تفكيك البنية الزراعية والفلاحية واللغوية وتحطيم الهوية الثقافية في الماضي الاستعماري أن يتواصل وأن يأخذ طابعا وطنيا الآن لو لم تكن له حاضنة في المجتمع الجزائري طوال مرحلة الاستقلال، وفي الطليعة حاضنة الثقافة التقليدية المتخلفة والدكتاتورية الفجة المفروضة على الشعب من قبل حكام الجزائر؟
إن مرحلة الاستقلال الشكلي لم يعالج فيها المسؤولون الجزائريون المتعاقبون على الحكم هذا الإرث لتصحيحه، ولم يفكوا الارتباط بموروث الاستعمار، وبالعكس فإن الذي حدث هو تكريس نفس المؤسسات والسلوك السياسي لفترة الاحتلال الفرنسي، ولقد عبر عن هذه الظاهرة السلبية الكاتب الراحل فرانز فانون في شكل وصف لقيادة ما بعد الاستقلال الذي ينطبق على حالة الجزائر “لقد كان الزعيم قبل الاستقلال يجسد آمال الشعب بوجه عام: الاستقلال والحريات السياسية والعزة القومية. ولكنه بعد الاستقلال، بدلا من أن يجسَد حاجات الشعب تجسيدا محسوسا، وبدلا من أن يكون رائد العزة القومية الحقيقية، العزة القومية التي تمرَ بالخبز والأرض وإعادة البلاد إلى أيدي الشعب، تراه يكشف عن وظيفته ألا وهي أن يكون الرئيس العام لشركة المنتفعين المسرعين إلى التمتع”. إن هذه الوظيفة هي وظيفة عنف رمزي له تداعيات مادية ونفسية خطرة جدا مدمرة لموروث حركة التحرر الوطني ومحطمة لرمزيات الثقة التي يفترض أن تكون بين القيادة والشعب.
لا شك أن أشكال العنف الرمزي والمادي والنفسي الذي نتحدث عنه تنعكس في كل المجالات، بما في ذلك شكل التعبير الأدبي الذي التقطه الباحث الجزائري محمد داود في بحثه المخصص لدراسة تمظهرات العنف في أدب الشباب الجزائري.
في هذا البحث توصل إلى هذه النتيجة المؤلمة “أحداث العنف التي تشهدها الجزائر، والتي رافقت عمليات إصلاح النظام السياسي دون تغييره جذريا، قد أفرزت العديد من الأشكال التعبيرية” التي تعد بمثابة “شهادات كتبت تحت ضغط الأحداث، بصفة استعجالية لتسجيل الراهن والآتي، ولتندد بالمسكوت عنه وهو قتل ذاتية الإنسان الجزائري، وخاصة المثقف، قبل قتله ماديا واغتياله جسديا”. من جهة أخرى فإن الباحث محمد الجزائري عدة جلول استخلص أن “ظاهرة العنف التي عاشتها الجزائر خلال العشرية السوداء” دفعته إلى رصد مجموعة من المظاهر المولدة للعنف في المجتمع منها:
أولا اختلاف الأنظمة الإسلامية حول التفسير الأيديولوجي للإسلام، وثانيا عدم دقة مفهومي الأمة الإسلامية والعالم الإسلامي.
هذه العينات التي ذكرناها تشهد على الشروخ العميقة التي تفرز مظاهر اليأس والإحباط والفشل التي تترجم بوعي شقي حينا، وبلاوعي غائب عن التاريخ الفعلي في صورة عنف متعدد الذيول يحول الوطن إلى ما يشبه حلبة الاقتتال والنحر الفردي والجماعي.

*كاتب جزائري/”العرب”