الرئيسية / وجهات نظر / أفضل جواب على الإرهاب
283994

أفضل جواب على الإرهاب

بقلم: د. عبد الحق عزوزي*

ضرب الإرهاب الأعمى يوم الجمعة الماضي، وفي صبيحة واحدة، ثلاث دول في ثلاث قارات حول العالم، ليترك وراءه العشرات من الموتى، وهي دول، الكويت وتونس وفرنسا. واستهدفت تلك الهجمات إما بيتاً للعبادة، أو منتجعاً سياحياً أو مصنعاً، بمعنى أن الإرهاب يأتي على الأخضر واليابس، ولا دين له ولا ملة. هذا قبل أن تطالعنا وسائل الإعلام أيضاً بأن عدد المدنيين الذين قتلوا في مكان رابع هو عين العرب السورية «كوباني» على يد مقاتلي تنظيم «داعش» بعد دخولهم إليها بلغ 206 قتلى إما إعداماً أو بقذائف أو عن طريق قناصة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قارن معي: لو أن هؤلاء الجهلة الإرهابيين يمثلون الدين، فأي نفس ستسمح لهم بمهاجمة بيت من بيوت الله في يوم الجمعة وفي أعظم شهر من شهور الله في السنة؟ ولو أن لهم مرجعية دينية فأي نفس ستسمح لهم بقتل مدنيين عزل؟ هؤلاء البشر هم إرهابيون يمارسون العنف باسم الدين وباسم الإسلام، والإسلام بريء منهم، ولكن نبقى معنيين قبل غيرنا من الشعوب، لأن هؤلاء الإرهابيين يخرجون تباعاً من أوطاننا ومن تاريخنا المعاصر ومن بعض هوامش ثقافتنا.
هناك اعوجاج في فهم الدين، وضلال مبين في فهم مقاصد الشريعة السمحة، وخلط بين السياسة والدين، فتعريض المصالح العليا للبلد للضرر (كالسياحة بالنسبة لتونس أو محاولة تأجيج الصراعات الطائفية والمذهبية كما في الكويت) هو مطية لخلق الفتنة والاستيلاء على السلطة بكل الطرق الممكنة، كما أن زرع بذور وفتاوى التكفير ما هو إلا الوسيلة المثلى لصناعة المغناطيس للتغرير بشباب قاصري الفهم والعقل، وهذا خطر وأيم الله على الدين وعلى الدول.
إن الطالب الذي قام بالهجوم الإرهابي على فندقين بمدينة سوسة بتونس خلف لوحده 39 قتيلاً، والطالب كان يعي طبعاً أنه بعمله هذا سيوقف لا محالة عجلة الاقتصاد التونسي، وهذا غرضه، وكان يعي أنه سيتم قتله، كما كان يعي أنه لن يغير بعمليته الإرهابية أي شيء من مسألة تبطين الدين في الدولة، ولكن لم يعِ أنه بعمله هذا فإنه قد يقوض بعضاً من تمثلات ممارسة الشعائر الدينية في بلد متسامح (قرار غلق 80 مسجداً في تونس لأن ما ليس مراقباً من الطبيعي أن يصبح متهماً). ثم ما بالك بردة فعل دول كبريطانيا وألمانيا وفرنسا عندما ترى بلداً مسلماً يضطر لغلق العشرات من المساجد في شهر رمضان، هل ستبقى مكتوفة الأيدي؟ ألن تتقوى عند ساكنتها الإسلاموفوبيا؟ ألن تنادي هي أيضاً بغلق المساجد والحذر من الممارسات الدينية المسلمة كيفما كان نوعها؟
إن التجربة الديمقراطية في تونس حديثة وفتية، ولم تخرج بعد من مرحلة الانتقال إلى مرحلة التجذير الديمقراطي. ولإنجاح هذه الخطوة يجب تثبيت عوامل الاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية وخلق الثقة بين الدولة والأفراد وداخل المؤسسات كما كان شأن دول أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية وقبلها أوروبا الغربية. والعملية الإرهابية الأخيرة ستوقف السياحة وهي رئة الاقتصاد التونسي، وستجعل المستثمر الأجنبي يقصد اتجاهات أخرى، إلى غيرها من التبعات الجانبية في ردات الفعل على مثل هذا النوع من الإرهاب.
إن ما وقع في تونس والكويت، وما وقع في فرنسا، منذر بقيام إرهاب جديد، محركوه أفراد قد يصعب كشفهم مسبقاً وهنا الخطر. ويمكن أن يتوصلوا بأوامر من القيادات الإرهابية كما يمكنهم أن يتحركوا لوحدهم، في إطار إرهاب لا ترابي ولا مجالي، لا يؤمن بالحدود ولا بنوعية الأنظمة السياسية ولا نوعية البشر أو الدين. والذي نراه اليوم إن بقيت الأمور على ما هي عليه، هو ضياع أجيال بأسرها ستكون ضحية لهذا الاستقطاب الإرهابي، وقد لا يبقى أي كان في مأمن في حياته وحياة أبنائه في السنوات وفي العقود المقبلة.
وهذا كله مرده إلى اعوجاج في فهم الدين، لا تستثمر في تقويمه بعض الأوطان العربية للأسف الشديد. وكان يجب أن يقابله نقد عمليات تحويل المفاهيم الدينية التي طبعت العقود السبعة الماضية، والتي أخرجت الدين عن المسار الحقيقي. ويجب أن يقابله في الوقت نفسه تحسين إدارة الشأن العام، فهذا الجانب هو العلاج الأمثل لطمأنة الشعوب والناخبين. ودول كتونس يجب ألا تستسلم، إذ يجب أن تستمر في الإدارة الصالحة وحسن تسيير الشأن العام.. فبذلك يتحقق تماسك المجتمعات وتتجذر ركائز العدل الاجتماعي والاقتصادي والتنمية والحريات العامة، وهذا هو أفضل جواب على الإرهاب.

* رئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية والدولية/”الاتحاد”