الرئيسية / وجهات نظر / إرادة الحياة والبناء أقوى من الإرهاب
محمود الريماوي

إرادة الحياة والبناء أقوى من الإرهاب

بقلم: محمود الريماوي*

من الكويت إلى فرنسا إلى تونس.. الإرهاب الأعمى ينشط ضد مسلمين وغير مسلمين، في بلاد المسلمين وفي بلد غير مسلم تعيش فيه جاليات مسلمة كبيرة، والعديد من أفرادها يحملون جنسية ذلك البلد وهو فرنسا، ويتمتعون بالإقامة فيه وينعمون بفرص الحياة كمواطنيه، ولئن كان بعضهم فقراء فهم فقراء كسواهم من الكادحين. وقد احتلت هذه الجرائم صدارة المشهد الإعلامي ابتداء من يوم الجمعة الماضي، وقد نجح الإرهابيون بذلك في وضع الإرهاب الموسوم زوراً وبهتاناً بصفة الإسلام، كأحد أبرز التهديدات التي تهدد السلم والأمن في العالم.
أجل نجح الإرهابيون في إقصاء قضايا ملحّة كالفقر المدقع والبطالة والاحتلالات والهيمنة وقمع أنظمة لشعوبها، والأمية وتشغيل الأطفال والتلوث والمخدرات والاتجار بالبشر، وسوى ذلك من قضايا وتحديات واقعية وجسيمة، نجحوا في إلقاء ستار سميك على تلك الشواغل، بفضل إرهابهم الصفيق والمتوحش الذي يُضار منه المسلمون أولاً، حيث هؤلاء هم أول وأكبر الضحايا لهذا الإرهاب الأسود، وحيث بلاد إسلامية باتت مرتعاً لهذه الارتكابات الجسيمة التي تغطي على ارتكابات أخرى لا تتم بهذه الطريقة الاستعراضية السقيمة، وبالمفاخرة في اقتراف الإثم، وفي التصنيف العلني لمدنيين أبرياء باحتسابهم أعداء وأهدافاً لهجماتهم الشريرة، وبما يعيد البشرية إلى قرون الظلام والهمجية التي لم تكن قد نشأت فيها قوننة العدالة وصون حرمة الحياة البشرية، واحترام التعددية والتنوع الثقافي.
لقد سال حبر كثير على مدى العقود الثلاثة الماضية على الأقل، حول ظاهرة الإرهاب وسبل معالجته، واتخذت جملة من الإجراءات والتدابير الأمنية للتصدي للظاهرة واستئصال شأفتها، وتحققت نجاحات جمة على هذا الطريق، ومع ذلك فإن الإرهاب لا يعدم أن يجد بيئة مواتية له هنا وهناك، ويخترع ذرائع جديدة، ويجنّد موتورين أو مُغرراً بهم جُدداً، ويواصل نشاطه المنفلت من كل عقال، والمنفلت من كل ضابط أخلاقي ووازع قيمي.
ها هو الإرهاب المقيت يستثمر بيئات تشهد منازعات داخلية محتدمة ، كما في سوريا واليمن والعراق وليبيا، لكنه لا يكتفي بمسارح هذه البلدان، إذ ينتقل إلى مواضع جديدة في بلدان أخرى على درجة من السلام الاجتماعي كما الحال في الكويت وتونس وفرنسا ودول أخرى. ولعل مرد ذلك أن الأفكار الشريرة تتطاير هنا وهناك عابرة للحدود، ومسمّمة لبعض الأجواء، آخذة في طريقها مزيداً من الضحايا البريئة، ومنذرة بنشوء بعض الاحتقانات الاجتماعية التي يجري التنبه لها والسعي المبكر إلى احتوائها، ومهددة بنشر الوباء بطرق شتى. ويصبح الأمر أشد تعقيداً وخطورة حين يتنكّب أفراد طريق الإرهاب، من دون أن يكونوا منضوين في جماعات أو أعضاء في شبكات إرهابية مستهدين فقط بأمثلة متطرفة وب «حلول» دموية لجأ إليها آخرون، كما دلّت على ذلك العديد من الشواهد المتعلقة ببعض هذه الجرائم. وفي هذا المسار المتعرج والمعقد فإن ردود الفعل الساخطة على هذه الارتكابات والداعية إلى الاقتصاص من فاعليها، وكذلك التحليلات التي تذهب إلى أن هناك مشكلات واختلالات في أجهزة التربية والتعليم والإعلام تؤدي إلى نشوء هذه الظاهرة، فإنه يجري تصوير ذلك لدى بعض الأبواق ولدى بعض المنابر على أنه استهداف للدين وللمسلمين، بما يهيئ لدورة جديدة من التعبئة والشحن والكراهية العمياء التي لا ينجو منها أحد حتى أقرب الأشقاء والشركاء في الدين والمعتقد.
في غمرة هذه الدوامة المقيتة يكاد المرء يذهب إلى الاعتقاد إلى أن هذا الطور من تفشي الإرهاب هو في صور من الصور ضريبة تدفع ثمنها المجتمعات من أجل شق طريقها إلى التقدم وإرساء العدالة وسيادة القانون، كما دفعت أوروبا أثماناً فادحة عبر محاكم التفتيش وسواها قبل أن تنبثق دولة الحق والقانون، واحترام آدمية الإنسان ورفع المساواة بين البشر بصرف النظر عن المعتقد واللون والجنس والعرق كقيمة عليا تجمع الأسرة الإنسانية، وتوحد جهودها من أجل التقدم والكرامة البشرية.
ولا يعني ذلك البتة النظر إلى هذه الظاهرة على أنها قدر محتوم لا راد له، فمقابل ما تم تنفيذه من جرائم إرهابية فقد تم إحباط العشرات منها قبل أن تقع، ووقع الكثير ممن أوكل إليهم التنفيذ أو المخططين في قبضة العدالة، إذ إن الغاية مما تقدم ذكره هو الدعوة إلى عدم الفزع من استشراء هذه الظاهرة، والدعوة إلى السير قدماً على طريق إعلاء سيادة القانون في كل مكان، بما لا يتيح مجالاً للتظلمات المشروعة أو الزائفة، وبما يهيئ نحو نشر قيم الوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية والتصدي لظاهرة الاستثمار الطائفي أياً كان أصحابها، فالطائفية لا تُعالج بمثلها، وضيق الأفق الذي يتسم به المتطرفون ينبغي أن يُقابل برحابة أفق لا يتم فيها تصنيف أحد وفق طائفته بل وفق معايير المواطنة الصالحة والتقيد بمقتضيات السلام الاجتماعي والسلم الأهلي، وكذلك احترام القانون والالتزام به مع السعي لتطويره وفق القنوات المشروعة كلما اقتضت الحاجة إلى ذلك.
تتطلب مواجهة الإرهاب الاستثنائي حقاً إجراءات استثنائية لمواجهته وتطويقه واستئصال خطره، وفي الوقت ذاته فإن هذه الظاهرة المشؤومة تتطلب الثبات على طريق البناء الداخلي وتمتين الجبهة الداخلية والإعلاء من شأن القانون في سائر مظاهر الحياة والاحتكام إليه، ففي البيئة الصحية النظيفة قلما تنشأ الأمراض والآفات الاجتماعية.

* كاتب ومعلق سياسي/”الخليج”