الرئيسية / وجهات نظر / الهباء الافغاني
2b5886a6af7ffe0890f131c7646b1472

الهباء الافغاني

لن تدوم طويلاً الفرحة بـ “نجاح” الانتخابات الافغانية ولا بنسبة الاقبال المرتفعة التي زادت عن خمسين في المائة، ولن تتكرر تهاني اوباما والحلف الاطلسي بـ “التحول الديموقراطي” في افغانستان، فكل ذلك جرى في حماية عشرات آلاف الجنود الاميركيين والاطلسيين، وانفاق بلايين الدولارات الاميركية، وبفضل ضغوط سياسية هائلة على باكستان للضغط بدورها على حركة “طالبان” لتمرير الاستحقاق الانتخابي بأقل خسائر ممكنة.
فاقتراب الانسحاب الاميركي المقرر في نهاية العام الحالي سيجعل هذا “الانتصار التاريخي” مجرد هباء، وسيترك فراغا امنيا وسياسيا هائلا لن يستطيع الرئيس المنتخب ولا قواته المسلحة ولا العشرة آلاف جندي اميركي الذين سيبقون بموجب المعاهدة الامنية، اذا وقعت، ان يسدوه، او ان يوقفوا دخول البلاد مجدداً في أتون الحرب الاهلية التي يسعى اليها مختلف الفرقاء والاتنيات والاجهزة. وهذا يعني ان افغانستان لن تتأخر في السقوط في ايدي “طالبان” التي تجيد العنف وتلقى تأييد اكثرية البشتون.
ذلك ان ثلاثة عشر عاما من الاحتلال الاميركي لم تنجح في تحقيق السلام ولا في التمهيد لتحقيق مصالحة فعلية بين الافغان، ولا حتى في وقف الارهاب الذي كان المبرر للغزو، على الرغم من نجاحات محدودة ضد تنظيم “القاعدة” الذي نقل عملياته ومراكز تجنيده الى العراق وسورية وحتى اوروبا بعد تراجع الملاذ الافغاني.
انفق الاميركيون حتى الآن ما يتراوح بين اربعة وستة تريليونات دولار على حربي افغانستان والعراق بحسب ارقام توصل اليها معهد ابحاث في جامعة “هارفارد” قال ان هاتين الحربين كلفتا كل اسرة اميركية مبلغ 75 الف دولار، بسبب استمرار اكلاف رعاية وآليات تعويض مئات آلاف الجنود الجرحى والمصابين بعاهات دائمة وبامراض نفسية وسلوكية، وتعويضات عائلات العسكريين القتلى.
لكن آلاف البلايين هذه لم تتمكن من مقاربة الاهداف التي حددتها الولايات المتحدة للحرب، فالانسحاب من العراق ترك وراءه دولة ممزقة بالعنف الطائفي والاتني وبالولاءات الدينية والقبلية والمناطقية، واقتصادا منهكا بالفساد والاختلاس، ومجتمعا مفككا تتحكم به الميليشيات والعصابات، وهي المواصفات نفسها التي تنطبق على افغانستان، وسيكتشف العالم فداحتها بعد انسحاب الاميركيين.
جرب الاميركيون خلال احتلالهم افغانستان الوصفات جميعها، ولم يثبتوا على قرار. حاولوا اقامة صحوات مثلما فعلوا في العراق لكنهم فشلوا بسبب تجذر الانتماءات القبلية والاتنية، وفكروا في صيغة “لامركزية” تقوم على نظام مركب يلبي حاجات المركز والاطراف ويحفظ حقوق المجموعات، لكن اصطدموا بحقيقة ان البلد عبارة عن مستوطنات بشرية متباعدة تفصل بينها مناطق خالية تصعب السيطرة عليها.
ثم اقتنعوا بأن الطريقة المثلى تكمن في تدريب قوات امنية محلية للتصدي لمقاتلي “طالبان”، ليكتشفوا ان عليهم البدء ببرامج محو الامية للمجندين الذين يحتاجون سنوات طويلة من التدريب والتجهيز والتمويل، ثم ليواجهوا عمليات اختراق من قبل “طالبان” ادت الى مقتل العديد من جنودهم على يد عناصر دربوها.
لكن الوقت الضاغط على ادارة اوباما للوفاء بتعهدها انهاء الحرب الافغانية ووقف النزف المالي الموجع، جعلها تستعجل اعلان ان الوضع الافغاني بات يلبي شروط الانسحاب، وان “نجاح” الانتخابات الرئاسية يلغي ضرورة الوجود الاميركي الواسع، غير عابئة عمليا بما قد يحصل بعد ذلك، طالما ان الحروب الاهلية المرجحة ستبقي هذا البلد مشغولا بنفسه لسنوات طويلة.
“الحياة” اللندنية