الرئيسية / وجهات نظر / غياب الثقة بين الرباط وطهران
محمد الاشهب

غياب الثقة بين الرباط وطهران

بقلم: محمد الأشهب*

بددت الأزمة العارضة بين الرباط وطهران جهوداً بذلت على امتداد الفترة الأخيرة لمعاودة بناء علاقات الثقة. وعلى رغم أن البلدين حافظا على مسافات متباعدة في مواقفهما حيال قضايا إقليمية ودولية، ساد انطباع بأن التوجه نحو تطبيع العلاقات أفضل من القطيعة.
لكن طهران لم تساعد في اجتياز الأزمة من دون مضاعفات، وما كاد السفير الإيراني الجديد إلى الرباط الديبلوماسي محمد تقي مؤيد يقدم أوراق اعتماده إلى الملك محمد السادس، حتى انبرت وكالة «فارس» للأنباء القريبة من «الحرس الثوري» الى وصف المغرب بأنه «أسير سياسات صهيونية»، ورد وزير الإعلام المغربي الناطق باسم الحكومة مصطفى الخلفي، برفض وإدانة التوصيف الذي لا يخلو من إساءة بليغة لتوجهات، تجلت في إغلاق مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط منذ سنوات عدة، فيما طرح البرلمان المغربي خطة لتجريم التطبيع مع إسرائيل والتزام الرباط مواقف الإجماع العربي والإسلامي.
تختلف الأزمة الحالية عن سابقتها، فقد اضطر المغرب إلى تعليق ارتباطات دبلوماسية مع إيران، جراء صدور تصريحات حول مطامع إيرانية في مملكة البحرين، واعتبرت الرباط دعوة سفيرها في طهران لتقديم إيضاحات في الموضوع من دون غيره من البعثات الدبلوماسية، استفزازاً غير مقبول، سيتزامن مع كشف النقاب عن نشاط في تشجيع «التشيع» داخل المغرب اتهمت أوساط دبلوماسية إيران بالضلوع فيه. وجاء تفكيك خلية إرهابية تلقّى بعض أعضائها تدريبات على استخدام الأسلحة في معسكرات في لبنان واقعة تحت نفوذ «حزب الله»، ليضفي على الأزمة أبعاداً مذهبية وسياسية.
لكن الأزمة هذه المرة تجاوزت الخطوط الحمر ورمت الكرة في اتجاه لا يمكن المغرب أن يقبله، إضافة إلى أن التزاماته في إطار «عاصفة الحزم» و «إعادة الأمل» أو في نطاق دعم دولة الإمارات في حربها على الإرهاب والتطرف، تعكس اختياراً مبدئياً ينحاز إلى الشرعية ومناهضة الإرهاب واستخدام الدين لأهداف سياسية. وأدركت الرباط أن الرسالة الإيرانية المبطنة لا تهتم بصوغ السياسة الخارجية في التعاطي مع أزمة الشرق الأوسط، بل تروم معاكسة التزامات الرباط، خاصة على صعيد علاقاتها المتميزة مع الدول الخليجية التي ارتقت إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.
لم يرق لإيران اتخاذ الرباط مواقف داعمة لدولة الإمارات التي تنازع إيران في احتلالها الجزر الثلاث. فإيران تحاول التمدد في أي رقعة تعاني من الاضطرابات والحروب وعدم الاستقرار. لذلك ليست العلاقات المغربية– الإيرانية التي لم تتجاوز مرحلة التعبير عن النوايا هي المستهدف من وراء التصعيد الجديد، وإنما التحالف القائم بين المغرب وشركائه في المنظومة الخليجية ودول الاعتدال العربي. والأهم ليس مقدار الضرر الذي أحدثه تقرير إخباري كان في الإمكان تجاوزه، بل توقيته ومصدره اللذان يثيران الاستغراب، أقله في اختراقه اللياقة الدبلوماسية. مع أن طهران كانت سباقة إلى إبداء رغبتها في معاودة تطبيع العلاقة مع المغرب، الذي استجاب لها في وقت يقود الحكومة المغربية حزب إسلامي معتدل يتبنى الوفاق ويدافع عن حوار المذاهب والحضارات.
سئل رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بن كيران يوماً بعد اجتماعه إلى مسؤول إيراني على هامش قمة إسلامية، فرد بالقول إن الإسلام يحض على الإخاء والتفاهم مع الآخر، فبالأحرى مع دولة إسلامية. غير أن مفهوم التعايش في التجربة الإيرانية أصبح مرادفاً لاختيارات تطاول فرض الهيمنة وصنع المناصرين برداء مذهبي، يكون في الكثير من الأحيان على حساب وحدة وسيادة الدول. وبالقدر الذي راهن إسلاميو المغرب كما سياسيوه ونخبه على الصحوة الإسلامية التي تهدم جدار التعصب والفتن الطائفية والمذهبية، لم تغير إيران توجهاتها المرتبطة أساساً ببنية الفكر والدولة التي كانت وراء فكرة تصدير الثورة.
الغريب أنه في الوقت الذي يحدث فيه الانبطاح أمام الدول الغربية، والولايات المتحدة تحديداً، على رغم أن سياستها لا تنفصل عن منطق الكيان الإسرائيلي، لجأت طهران إلى العزف على وتيرة وقوع سياسة الرباط تحت «أسر الصهيونية»، ما يعني أن الرسالة أقرب إلى تراجع «غير مهذب» عن المسار الذي كان في طريقه لبناء نوع من الثقة. وسواء تجاوز البلدان المأزق الراهن أو سارا في اتجاه آخر، فالثقة باتت مفقودة. ومن المستبعد بناء علاقات تحظى بالاحترام والتقدير في غياب الثقة المتبادلة.

*كاتب صحفي/”الحياة”