الرئيسية / وجهات نظر / صندوق المقاصة.. دقت ساعة الإصلاح
67d1eae3e9598f9411cacd63103dd8a9

صندوق المقاصة.. دقت ساعة الإصلاح

هناك ملاحظة مثيرة للانتباه بخصوص ما جرى من نقاش حول التقرير الذي أعده المجلس الأعلى للحسابات حول صندوق المقاصة، إذ إن ما تضمنه التقرير ليس إلا نسخة طبق الأصل للتشخيص الذي قدمته الحكومة تمهيدا لإصلاح هذا الصندوق، والذي خلص إلى أن المستفيد الأول والأكبر من صندوق المقاصة ليس هم الفقراء، وإنما هي الشركات بنسبة 63 في المائة من الدعم، أما الأسر فلا تستفيد إلا من 36 في المائة، تستحوذ على الجزء الأكبر منه الأسر الغنية.
ما الجديد في هذه الأرقام وفي هذا التشخيص؟ وما الذي تغير حتى جعل أحزاب المعارضة تغير خطابها بعدما ظلت تناهض مشروع الإصلاح الذي تقدمت به الحكومة بحجة أنه سيضرب القدرة الشرائية للفقراء والطبقات الوسطى؟
الجديد اليوم، أن التشخيص جاء من مؤسسة دستورية معنية بالحكامة، ولم يأت من الحكومة، وأن المعارضة لم يعد لها من مدخل للمزايدة السياسية، ولا التخفي وراء الطبقات الفقيرة لحماية مصالح الشراكات المستفيدة من أموال صندوق المقاصة.
والجديد أيضا أن الظرف السياسي تغير، وما كان يستدعي تعقيد ملفات الإصلاح وإرباكها صار اليوم منتفيا، كما أن العقل السياسي الذي يدير العمل الحكومي اقتنع بأن المقاربة ينبغي أن تأخذ شكلا آخر في الزمن والأسلوب.
مهما يكن، وحتى ولو خسر المغرب سنتين من عمره السياسي وتأخر إصلاح صندوق المقاصة حتى أكل من الموازنة العامة ما يزيد عن 90 مليار درهم في سنتين، فإن الإجماع الذي حصل على تشخيص المجلس الأعلى للحسابات حول صندوق المقاصة، يؤشر بأن طريق إصلاح صندوق المقاصة صار معبدا، وأن الصبر الحكومي آتى أكله، وأن العقبة الكبيرة تم تخطيها، وما تبقى اليوم هي التفاصيل التقنية.
التوجه العام واضح، هناك مواد يصعب رفع الدعم عنها، على الأقل في المدى القريب والمتوسط، وهناك مواد رفع عنها الدعم، وأخرى تسير في هذا الطريق، وأخرى مرشحة لأن يرفع عنها الدعم بشكل تدريجي.
بالأمس كانت المشكلة هي الاستهداف، وقد تم خلق زوبعة كبيرة حولها، بل تم افتعال صعوبتها أو استحالتها لتبرير الإبقاء على الدعم وحماية مصالح الشركات المستفيدة.
اليوم، وبعد أن أثيرت قضية الحسابات الانتخابية في قضية الدعم المباشر، ينبغي أن يتم التفكير في تغيير الأسلوب، والبحث عن تقنيات جديدة لتصريف هذا الدعم إلى الفئات التي تستحقه.
هناك أفكار كثيرة يمكن أن تلجأ إليها الحكومة في هذا السياق، منها ما يتعلق بتحديد بعض الفئات الأكثر هشاشة والتي تمتلك بشأنها معطيات تقنية متكاملة، ومنها توجيه الدعم لمساعدة الأسر على تمدرس أبنائها، ومنها توجيه الدعم للنقل الحضري لمساعدة الأسر الفقيرة على التنقل المنخفض الكلفة، ومنها رفع سقف الدخل المعفي من الضرائب بالنسبة للفئات القريبة من الهشة، ومنها أيضا دعم الوعاء المالي لبرنامج المساعدة الصحية “راميد”، وغير ذلك من الإجراءات التي يمكن تلجأ إليها الحكومة لتوسيع سلة الخدمات الاجتماعية لفائدة الفئات الفقيرة.
ثمة قاعدة ينبغي دائما التذكير بها، وهي أنه ليس هناك آلية وتقنية يمكن أن تضمن نهاية الريع ما دام دعم الدولة لبعض المواد مستمرا، وأن الخيار الوحيد المتبقي هو الحكامة وتعزيز المراقبة لجميع مراحل الدورة التي تتخذها المواد المدعومة من الدولة قبل أن تصل إلى المستهلك الذي يستحقها.
خلاصة الموقف، أن المقاربة ينبغي أن تحافظ على توازن معادلتين اثنتين، الأولى هي رفع الدعم بشكل متدرج، مع التفكير في بدائل لإعادة جزء منه إلى الفئات التي تستحقه في شكل خدمات اجتماعية مباشرة، والثانية هي إبقاء على الدعم في بعض المواد وتفعيل الحكامة والمراقبة لضمان وصول هذه المواد إلى مستحقيها الحقيقيين والتفكير في المدى المتوسط والبعيد في خيارات أخرى لرفع هذا الدعم بشكل كامل.
“التجديد”