الرئيسية / وجهات نظر / ملاحظات نقدية بصدد الشرعية السياسية
عبد الاله بلقزيز

ملاحظات نقدية بصدد الشرعية السياسية

بقلم: عبد الإله بلقزيز*

في التصنيف الفيبري لأنواع الشرعية بعضٌ من التنميط المقفَل لا يجعله قابلاً للانطباق على الواقع المادي للشرعيات السياسية القائمة، وأكثر ما يقدّمه للتحليل (هو) رسْمُ سماتٍ عامّة لكلّ نمطٍ من الشرعية، وما يميّزه من نمط آخر. ومع التسليم بما ينطوي عليه ذلك التصنيف النظري من ممكناتٍ لإضاءة التحليل الاجتماعي والسياسي للشرعيات، وما يقدّمه من أدوات مفهومية لذلك التحليل، إلاّ أن المخافةَ كبيرةٌ من أن يُفضيَ اعتمادُهُ معياراً إلى الانزلاق إلى نظرةٍ إسقاطية إلى المجال السياسي تُدخل الواقعات، قسراً، في قوالب نظرية جامدة. لذلك، لا مهرب للتحليل من الانتباه إلى واقع الظاهرة المدروسة، والانطلاق من معطياتها المباشرة-بتوسُّل الأدوات النظرية والمفهومية طبعاً-واستنتاج ما يفرضه تركيبُها ونظامُ اشتغالها من استنتاجات مطابقة (لواقع الظاهرة). هذه القاعدة النظرية، التي ننطلق منها في النظر إلى التصنيف الفيبري لأنماط الشرعية، إنما تولّدت لدينا من قراءةٍ نقدية له، ولبعض التنميط فيه. ومبنى ما استنتجناهُ منها على القاعدة التالية: بمقدار غِنَى المادة النظرية والمفهومية، التي تقدّمها رؤية ماكس فيبر إلى الشرعية، فإن واقع الشرعيات أغنى في التنوّع والتفاصيل من تلك المادة النظرية. تتبيّن هذه القاعدة في ضوء الملاحظات النقدية الأربع التالية:

الملاحظة الأولى، ومفادُها أن أيّ نمطٍ من أنماط الشرعية الثلاثة لا ينطبق انطباقاً كاملاً على أيِّ سلطة، وإنما ينطبق عليها جزئيّاًً. إنه تجميعٌ فيبري لسماتٍ متنوعة تَسِم سلطات سياسية عِدّة في التاريخ الحديث وما قبله. والتجميع ذاك يفيدنا في تبيُّن ماهية النمط أكثر مما يفيدنا في تبيُّن شخصية هذه السلطة أو تلك من السلط السياسية التي يُسيطر فيها بعضُ سمات ذلك النمط. ليس في ذلك ما يعيب عمل فيبر، الذي تَغَيَّا بناء نمذجة نظرية لأنواع الشرعية، ولكن اعتماد قالبه النظري المجرَّد بحرفيته لن يفيدنا، كثيراً، في بناء تحليلٍ دقيق لمجال السياسة والسلطة في المجتمعات الحديثة كما أراد ذلك فيبر، ذلك أن أيّ نمطٍ منها مغلقَ البنية على نفسه.
والملاحظة الثانية، أن ماكس فيبر نظر إلى أنماط الشرعية الثلاثة نظرةً تاريخية تعاقبية، حيث الواحد منها يعقب الثاني ويتجاوزه، فيما تكشف الخبرة التاريخية بأنها كانت أنماطاً متزامنة، على الأقل في العصر الحديث، حيث يمكننا رؤيةُ تَعايُش نمطين أو أكثر في المجال السياسي الواحد.
والملاحظة الثالثة، أن بناء فيبر لتصنيفه قام على الممايزة المطلقة بين أنواع الشرعية الثلاثة- حيث كلّ نوعٍ يختلف عن الثاني في التكوين والسمات والبنية، ولا يتقاطع معه في شيء – والحال إن هذا التأسيس النظري المغلق للأنواع الثلاثة لا يَلْحظ ما يقع من تداخلٍ، أحياناً، بين بعضها، من ذلك ما قد يوجد من تداخُلٍ، في السمات، بين الشرعية التقليدية والشرعية الكاريزمية، في المجتمعات التقليدية، وما بين الشرعية العقلانية والشرعية الكاريزمية، في المجتمعات الحديثة والمعاصرة. وهذا التداخل، داخل السلطة السياسية الواحدة، يشهد بأمريْن: أن أيّ نمطٍ من الأنماط الثلاثة ليس مكتمل الهيئة، ومغلَقَ البنية-كما سجلنا في الملاحظة النقدية الأولى-وأن السلطة الواحدة قد تتعايش فيها عدة أنماط وتتزامن – مثلما سجلنا في الملاحظة الثانية-على نحوٍ يفرض النظر، بعين النسبية، إلى تصنيف فيبر للشرعية، ويفرض إخضاع نمذجته لنقدٍ تاريخي يتوسَّل الواقعات بدلاً من النمذجات.
أما الملاحظة الرابعة فتكْمَن في أن النمذجة الفيبرية للشرعية لم تَخْلُ من نزعةٍ معيارية حتى وهي تضع نفسها في نطاق تفكيرٍ وضعاني! إن المسافة بين شرعيةٍ وأخرى، عنده، لم تُبْن على مقياسٍ كمّي، تطوّري، وإنما على مقياس تفاضليّ، أو – قُلْ – إنها تتحرك من النقص إلى الكمال إنْ شئنا حسبان عامل التطور والانتقال من نظامٍ من الشرعية إلى آخر. تبدو الشرعية التقليدية، في التصنيف، أسوأ الشرعيات على الإطلاق، وتبدو الكاريزمية أعلى منها قيمةً. ولكن الشرعية العقلانية هي الأعلى شأناً والغايةُ التي إليها تسيرُ السياسة. يجمع فيبر، في هذه الرؤية، بين تاريخانية هيغل ووضعانية كونت، بين القول إن التاريخ يسير نحو غاية عليا هي تجسُّد المطلق (الفكرة، الروح) في الدولة (العقلانية)، و(بين) القول بتطور الاجتماع والفكر متمرحلاً في مراحل ثلاث (لاهوتية، ميتافيزيقية، وضعية)، مع حسبان الأخيرة فيها هي المثلى! إن هذا الجمع بين التاريخاني والوضعاني، في وعي فيبر، هو عينُه الذي سيؤسّس-في الفكر الغربي-فكرةَ «نهاية التاريخ»، بعد سبعين عاماً من أطروحة فيبر، «النهاية» التي ستتجسَّد في «انتصار» الرأسمالية على الاشتراكية، الليبرالية على النظام الشيوعي، أي – بلغة الفيبيريين- الشرعية العقلانية (الديمقراطية) على الشرعية الكاريزمية.
*مَن يُجرّب إعمال النمذجة الفيبرية للشرعية لفهم، وتحليل، واقع شرعيات السلطة السياسية في البلاد العربية المعاصرة، يصطدم بحقيقة عُسْر انطباق معطياتها المفهومية على الواقع السياسي العربي. فَعلْنا ذلك في كتابنا «الدولة والسلطة والشرعية»، فتبيَّن لنا ذلك العُسْر، وخاصةً مع ملاحظة أمْريْن: أولهما أن التداخل كبير بين الشرعيتين التقليدية والكاريزمية، فقسمٌ من السلطات السياسية العربية ينهل شرعيته من مصادر دينية وعصبوية وكاريزمية، في الوقتِ عينِه، ويقترن فيه النوعان الأولان من الشرعية اللذان وصَفهُما فيبر. وثانيهما أن شكلاً ما من التداخل بين الشرعية التقليدية والشرعية العقلانية (على الأقل في تجسيدها الدستوري والديمقراطي) يحصل في بعض السلطات السياسية العربية (في الأنظمة السياسية القائمة في المغرب ولبنان والأردن واليمن…)، حيث تتجاور العصبية الاجتماعية والدين، من جهة، والتمثيل الحديث والتداول السياسي على السلطة، من جهةٍ ثانية، ليتشكل من ذلك التجاور مزيجٌ غرائب لنوعٍ آخر من السلطة لا يمكن ردُّهُ إلى أيّ نمط من الأنماط الفيبرية الثلاثة.

* كاتب مغربي/”الخليج”